لكل السوريين

عام ونصف على سقوط النظام السوري… مخلفات الحرب تواصل حصد أرواح المدنيين في درعا

السوري ـ درعا

رغم مرور أكثر من عام ونصف على سقوط النظام السوري، لا تزال الحرب تفرض نفسها على حياة المدنيين في محافظة درعا، ولكن هذه المرة عبر عدوٍ صامت يختبئ تحت التراب وبين الأنقاض. ألغام أرضية وذخائر غير منفجرة وعبوات ناسفة تحولت إلى تهديد يومي يلاحق السكان في الطرقات والأراضي الزراعية وحتى المدارس، وسط اتهامات للجهات المعنية بالتقصير في إزالة هذه المخلفات وإنقاذ المدنيين من خطر مستمر يفتك بالأهالي بصمت.

طرقات الموت في ريف درعا

بينما كان أبو محمد يقود سيارته القديمة عبر طريق ترابي يؤدي إلى بلدة الكرك الشرقي، دوّى انفجار عنيف هزّ المكان. نجا الرجل الخمسيني بأعجوبة، لكن سيارته تحولت إلى حطام محترق.

يقول أبو محمد وهو يتفقد جرحاً في ذراعه:

“ظننت أن الحرب انتهت، لكن يبدو أن مخلفاتها ستطاردنا لسنوات”.

الحادثة لم تكن استثناءً، فبحسب سكان المنطقة، تحولت طرقات ريف درعا الشرقي إلى مسارات محفوفة بالموت، حيث تنفجر الألغام والذخائر غير المنفجرة بشكل متكرر، موقعة إصابات ووفيات بين المدنيين.

أحد سكان البلدة الذي وصل إلى موقع الانفجار وصف المشهد قائلاً:

“هذا الطريق أصبح رهاناً مع الموت، كل يوم نسمع عن انفجار جديد”.

الأطفال… الضحايا الأكثر هشاشة

في مستشفى درعا الوطني، يؤكد الطبيب علي أن المشفى يستقبل شهرياً ما بين ثلاث إلى خمس إصابات ناجمة عن مخلفات الحرب، مشيراً إلى أن الأطفال يشكلون النسبة الأكثر مأساوية بين الضحايا.

ويقول:

“الأطفال لا يستطيعون التمييز بين لعبة وجسم متفجر”.

قبل أسبوعين فقط، فقد طفل في العاشرة من عمره ثلاث أصابع من يده بعدما التقط جسماً صغيراً ظنه لعبة، ليتبين لاحقاً أنه عبوة ناسفة.

ولا تقتصر المخاطر على الشوارع والحقول، إذ وصلت إلى الأحياء السكنية. أم يوسف، وهي سيدة من حي المنشية، تروي كيف عثر ابنها على قنبلة يدوية قديمة بين أنقاض بناء مدمر.

تقول وهي تستعيد لحظات الرعب:

“ظنها لعبة وكان يريد حملها، ولولا تدخل الجيران لوقعت كارثة”.

الزراعة تحت التهديد

الحرب لم تترك للمزارعين سوى الخوف والخسائر. خالد، وهو مزارع من قرية غصم، فقد ثلاثة من أغنامه بعد انفجار لغم أرضي داخل أرضه الزراعية.

ويقول بحسرة:

“زرعت هذه الأرض طوال حياتي، واليوم أخاف أن أمشي فيها”.

كثير من المزارعين اضطروا إلى هجر أراضيهم، بعدما تحولت الحقول إلى مناطق خطرة تهدد أرواحهم ومصادر رزقهم في آن واحد.

مدارس محاصرة بالخطر

حتى المدارس لم تنجُ من تهديد مخلفات الحرب. مديرة مدرسة الزهراء الابتدائية تؤكد أنها اضطرت إلى إلغاء حصة الرياضة بعد العثور على أجسام معدنية مشبوهة داخل ساحة المدرسة.

وتتساءل:

“كيف يمكن أن نضمن سلامة الأطفال والمخلفات الحربية موجودة حتى في أماكن لعبهم؟”.

وبحسب إدارات مدارس في درعا، باتت جلسات التوعية حول كيفية التعرف على الأجسام الخطرة جزءاً من النشاط المدرسي اليومي، في محاولة لحماية الأطفال من كارثة قد تقع في أي لحظة.

إمكانيات محدودة وتقصير مستمر

ورغم تزايد الحوادث، لا تزال عمليات إزالة مخلفات الحرب محدودة للغاية. أحد عناصر الدفاع المدني، فضل عدم الكشف عن اسمه، يقول إن فرقهم تواجه نقصاً حاداً في المعدات والخبرات المتخصصة.

ويضيف:

“هناك مناطق كاملة لا نستطيع الاقتراب منها بسبب احتمال وجود ألغام أو عبوات ناسفة”.

وبحسب تقديره، فإن ما يتم التخلص منه لا يتجاوز 10% من حجم المخلفات المنتشرة فعلياً في المنطقة، ما يعني أن الخطر سيبقى قائماً لسنوات طويلة ما لم تتدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية بشكل جدي وواسع.

آثار نفسية لا تقل خطورة

في العيادات النفسية، تظهر آثار الحرب بشكل مختلف. الدكتورة روان، وهي أخصائية نفسية، تؤكد ارتفاع أعداد المرضى الذين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة والخوف المزمن.

وتقول:

“الكثير من الناس يعيشون حالة رعب دائمة، أي صوت مرتفع يعيد إليهم مشاهد الانفجارات”.

هذا الخوف دفع بعض العائلات إلى مغادرة منازلها القريبة من المناطق الملوثة بالمخلفات الحربية، خشية على أطفالها من الموت المفاجئ.

قرى تعيش الحرب رغم انتهائها

في القرى النائية تبدو المأساة أشد قسوة. قرية أم ولد خسرت أربعة من سكانها خلال الأشهر الستة الماضية بسبب انفجارات متفرقة.

مختار القرية يلخص واقع السكان بقوله:

“نعيش وكأن الحرب لم تنتهِ أبداً. كل خروج من المنزل مغامرة”.

ويطالب الأهالي بتحرك عاجل لإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، محذرين من أن استمرار تجاهل الملف سيؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا.

ورغم مرور أكثر من عام ونصف على سقوط النظام السوري، لا تزال درعا تدفع ثمن سنوات الحرب يوماً بعد يوم. فالمخلفات العسكرية المنتشرة في الطرقات والحقول والأحياء السكنية تحولت إلى حرب مؤجلة تحصد أرواح المدنيين بصمت، في ظل غياب تدخل فعّال من الجهات المعنية والمنظمات المختصة.

وبينما تتزايد أعداد الضحايا، يبقى السؤال الذي يطرحه أهالي درعا بلا إجابة واضحة:

كم من الأرواح يجب أن تُفقد قبل أن تبدأ عمليات حقيقية لتنظيف الأرض من أشباح الحرب؟

- Advertisement -

- Advertisement -