لم يعد التنقيب العشوائي عن الآثار في سوريا مجرد حوادث فردية يقوم بها أشخاص يبحثون عن قطع قديمة أو مقتنيات ثمينة، بل تحول خلال السنوات الماضية إلى ظاهرة تهدد مواقع أثرية تمتد آلاف السنين، مستفيدة من سنوات الحرب، وتراجع الرقابة، والفقر، وانتشار تجارة الآثار وأجهزة الكشف عن المعادن، فضلاً عن اتساع نشاط شبكات تهريب القطع الأثرية.
ورغم الاعتقاد الشائع بأن عمليات الحفر تجري أحياناً أمام أعين السلطات من دون محاسبة، فإن المعطيات القانونية والرسمية لا تشير إلى وجود سماح حكومي بالتنقيب غير المرخص. فقانون الآثار السوري رقم 222 لعام 1963 يجرّم التنقيب المخالف لأحكامه، وينص على عقوبات تصل إلى 15 عاماً من السجن في حالات التنقيب غير القانوني، فيما تصل العقوبات الخاصة بتهريب الآثار إلى مدد أطول.
لكن وجود القانون شيء، وقدرة الدولة على تطبيقه في جميع المواقع الأثرية شيء آخر.
قانون موجود.. ورقابة لا تصل إلى كل المواقع
خلال عام 2026 ظهرت حالات تؤكد أن السلطات بدأت تتعامل مع بعض عمليات التنقيب باعتبارها جرائم تستوجب التوقيف والتحقيق. ففي أيلول الماضي، أوقفت الجهات المختصة في ريف صافيتا بطرطوس مجموعة أشخاص أثناء تنقيب غير مشروع، وضبطت أجهزة كشف معادن ومولدات وأدوات حفر وضاغط هواء، قبل إحالتهم إلى القضاء وإصدار مذكرات توقيف بحقهم على ذمة التحقيق.
وفي أيار، أعلنت السلطات الأمنية توقيف مجموعة في ريف دير الزور بعد دخولها إلى موقع تل الحميضة الأثري واستخدام آلية ثقيلة للحفر، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن المتهمين كانوا ينتحلون صفة أمنية، وهو ما فتح باب التحقيق حول الجهة التي تقف خلف العملية.
هذه الوقائع تجعل من الصعب القول إن الحكومة “سمحت” بالتنقيب بصورة رسمية، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً أكثر أهمية: هل الإجراءات الحالية كافية لوقف ظاهرة تنتشر في مواقع واسعة يصعب مراقبتها على مدار الساعة؟
لماذا تنتشر الظاهرة؟
الحرب الطويلة تركت مئات المواقع الأثرية أمام واقع أمني وإداري معقد، خصوصاً في المناطق الريفية والنائية. ومع تغير السيطرة على مناطق مختلفة خلال السنوات الماضية، أصبحت حماية المواقع الأثرية مرتبطة أيضاً بقدرة المؤسسات الأمنية والإدارية على الوصول إليها ومراقبتها.
وتشير دراسة أكاديمية نشرت عام 2026 واعتمدت على تحليل صور الأقمار الصناعية إلى انتشار عمليات نهب صغيرة في مناطق مختلفة من سوريا، إضافة إلى استخدام آليات ثقيلة في عمليات نهب منظمة داخل عدد من المواقع. وتؤكد الدراسة أن استمرار مراقبة المواقع عبر الأقمار الصناعية أصبح مهماً في ظل صعوبة الوصول الميداني إلى بعض المناطق.
وفي بعض المناطق، يبدو العامل الاقتصادي جزءاً أساسياً من المشكلة. تحقيق نشر في أيلول 2026 وثّق عمليات حفر واسعة في موقع تل عجاجة بمحافظة الحسكة، وأشار إلى مشاركة عشرات الأشخاص في عمليات البحث عن القطع الأثرية، فيما ربط بعض المشاركين دخولهم إلى هذا النشاط بالوضع المعيشي الصعب والرغبة في تحقيق دخل سريع.
وهنا تتحول الآثار من قيمة تاريخية إلى مصدر للربح، خصوصاً عندما يعتقد المنقب أن قطعة صغيرة يمكن أن تباع بمبلغ كبير لدى تاجر أو وسيط.
من الحفرة إلى السوق السوداء
المشكلة لا تنتهي عند استخراج القطعة من الأرض. فالقطعة التي تُنتزع من موقعها تفقد جزءاً مهماً من قيمتها العلمية، لأن الأثر لا تتمثل أهميته في شكله فقط، وإنما في الطبقة التي وجد فيها، وموقعه، وعلاقته باللقى والمنشآت المحيطة به.
ولهذا حذرت المديرية العامة للآثار والمتاحف من أن الحفر العشوائي يؤدي إلى تدمير الطبقات الأثرية وطمس معلومات تاريخية لا يمكن تعويضها، فضلاً عن مساهمته في تغذية السوق السوداء وشبكات التهريب.
وتزداد خطورة المسألة مع انتشار الترويج لأجهزة كشف الكنوز على وسائل التواصل الاجتماعي. فقد حذرت جمعية أصدقاء المتاحف والمواقع الأثرية السورية في 2025 من صفحات تستخدم ملايين المشاهدات للترويج لأجهزة الكشف والتنقيب غير المشروع والاتجار بالآثار.
وفي تموز 2026، تحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان عن استمرار التنقيب غير القانوني قرب مواقع تاريخية في مناطق سورية عدة، مشيراً إلى بيع أجهزة كشف وتتبع تستخدم في البحث عن الكنوز بأسعار تتراوح، وفق مصادره، بين ألفي وخمسة آلاف دولار، ما يجعل أدوات التنقيب متاحة لمن يملك القدرة المالية عليها.
هل المشكلة في القانون أم في تطبيقه؟
المفارقة السورية واضحة: البلاد تمتلك قانوناً قديماً يجرّم التنقيب والسرقة والاتجار والتهريب، فيما تتجدد عمليات الحفر والنهب في مواقع مختلفة.
وهذا يعني أن المشكلة لا تبدو مرتبطة بغياب النص القانوني وحده، وإنما بقدرة المؤسسات على تنفيذ القانون، والوصول إلى المواقع النائية، ومراقبة الأسواق، وملاحقة الوسطاء والتجار، وليس فقط الأشخاص الذين يحفرون بأيديهم.
كما أن ملاحقة المنقب الصغير لا تكفي إذا بقيت الشبكة التي تشتري القطع وتنقلها وتبيعها قادرة على العمل. فالحفرة هي المرحلة الأولى فقط من عملية تبدأ من الموقع الأثري وتنتهي أحياناً في سوق خارج الحدود.
وفي هذا السياق، بدأت السلطات السورية خلال 2026 خطوات جديدة لتعزيز مكافحة الاتجار غير المشروع بالآثار. ففي أيلول عقدت اللجنة الوطنية لمكافحة تهريب الآثار وتحديد الأصالة اجتماعها الأول، بمشاركة جهات من بينها وزارة الداخلية والجمارك والمديرية العامة للآثار والمتاحف، مع بحث إنشاء قاعدة بيانات وطنية واستخدام تقنيات تحليلية للكشف عن أصالة القطع وتعزيز التنسيق الأمني والقانوني ومكافحة غسل الأموال المرتبط بالاتجار غير المشروع.
الرقة ودير الزور والحسكة.. مواقع واسعة أمام خطر مستمر
المشكلة أكثر تعقيداً في المحافظات التي تضم مساحات جغرافية واسعة ومئات التلال والمواقع الأثرية، ومنها الرقة ودير الزور والحسكة، حيث يصعب تأمين كل موقع بصورة دائمة.
وفي الرقة، أجرت مديرية الآثار والمتاحف في كانون الثاني 2026 تقييماً لأضرار عدد من المواقع الأثرية في المحافظة، في إطار مساعي توثيق الأضرار وتأمين حماية عاجلة للمواقع والممتلكات الثقافية.
وفي دير الزور، كشفت حادثة تل الحميضة أن استخدام الآليات الثقيلة يمكن أن يحول الموقع الأثري خلال فترة قصيرة إلى مساحة من الحفر والأنفاق، بينما أظهرت حالات أخرى أن بعض عمليات التنقيب لا تكون عشوائية بالكامل، وإنما ترتبط بأشخاص يمتلكون معدات وأدوات وقدرة على العمل بصورة منظمة.
المطلوب.. ملاحقة السوق لا الحفّار فقط
وقف نزيف الآثار السورية لا يحتاج إلى بيانات تحذيرية فقط، ولا إلى توقيف أفراد بعد اكتشاف الحفر، وإنما إلى منظومة متكاملة تبدأ بحماية المواقع، وتوثيقها رقمياً، وتسيير دوريات للمواقع الأكثر تعرضاً للنهب، ومراقبة تجارة أجهزة الكشف، وملاحقة الصفحات التي تروّج للتنقيب، وصولاً إلى تتبع التجار والوسطاء ومصادرة القطع التي يثبت خروجها بصورة غير قانونية.
كما أن إشراك السكان المحليين يمكن أن يكون عاملاً حاسماً، خصوصاً في المناطق التي لا تستطيع الأجهزة الرسمية مراقبتها بصورة مستمرة. فالسكان هم أول من يستطيع ملاحظة حركة الآليات والأشخاص الغرباء حول التلال والمواقع الأثرية.
السؤال اليوم ليس ما إذا كان القانون السوري يسمح بالتنقيب؛ فالقانون واضح في تجريمه. السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الدولة الوصول إلى كل موقع أثري، ومنع الحفر قبل وقوعه، ثم الوصول إلى الشبكة التي تستفيد من القطعة بعد خروجها من الأرض؟
فإذا بقيت المحاسبة مقتصرة على بعض الأشخاص الذين يُضبطون داخل الحفر، بينما يظل التجار والوسطاء ومسارات التهريب خارج دائرة الملاحقة، فإن الآثار السورية ستبقى أمام معادلة خطرة: قانون يجرّم النهب، لكن سوقاً سوداء قادرة على تحويل تاريخ البلاد إلى تجارة مربحة.