السوري/ الرقة
مع وصول الموسم الزراعي إلى منتصفه في أرياف الرقة، يبدأ المزارعون بالانتقال من مرحلة العناية بالمحصول إلى التفكير الجدي في كيفية تسويقه. وبين مؤشرات إيجابية حول وفرة الإنتاج هذا العام، تبرز تحديات حقيقية تتعلق بآليات البيع والأسعار، ما يجعل مرحلة التسويق العامل الأهم في تحديد نجاح الموسم من عدمه.
وفرة إنتاجية تقابلها مخاوف تسويقية
تشير المعطيات الميدانية إلى أن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في ريف الرقة شهدت نمواً جيداً لمحصول القمح، مدعوماً بتحسن نسبي في الظروف المناخية.
هذه الوفرة تبعث التفاؤل لدى المزارعين، لكنها في الوقت ذاته تثير قلقاً متزايداً حول قدرة الأسواق على استيعاب الإنتاج وضمان بيعه بأسعار مناسبة.
الأسواق وحركة الشراء: تفاوت واضح
في جولة على عدد من مراكز شراء الحبوب والأسواق المحلية، والأسواق الخاصة، لوحظ تفاوت في الأسعار وآليات الاستلام بين منطقة وأخرى. بعض المراكز تشهد إقبالاً محدوداً نتيجة ضعف القدرة الشرائية أو تأخر فتح باب الاستلام، في حين يعتمد مزارعون آخرون على التجار والوسطاء لبيع محاصيلهم بشكل مباشر، غالباً بأسعار أقل من التوقعات.
كما يشتكي مزارعون من غياب تسعيرة موحدة أو سعر استرشادي واضح، ما يفتح المجال أمام تفاوت كبير في الأسعار ويضعف قدرتهم على التفاوض.
المزارعون: كلفة مرتفعة وعائد غير مضمون
في حديث مع عدد من المزارعين، عبّروا عن مخاوفهم من أن لا تغطي أسعار البيع التكاليف المرتفعة التي تكبدوها خلال الموسم، من بذار وأسمدة ومحروقات. كما أشاروا إلى صعوبات في نقل المحصول إلى مراكز الشراء، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف النقل وضعف البنية التحتية في بعض المناطق.
أحد المزارعين قال إن “الموسم يبدو جيداً من حيث الإنتاج، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عند الحصاد، عندما لا نجد سعراً عادلاً أو جهة تشتري بكميات كافية”.
التجار والوسطاء: السوق تحكمه عوامل متعددة
من جهتهم، أوضح تجار الحبوب أن حركة السوق تخضع لعدة عوامل، أبرزها العرض الكبير المتوقع هذا العام، وتفاوت جودة المحصول، إضافة إلى تكاليف التخزين والنقل. وأشاروا إلى أن اختلاف الأسعار بين المناطق يعود أيضاً إلى قربها من مراكز الاستهلاك أو التصدير.
وتوقع بعضهم استمرار التذبذب في الأسعار خلال الفترة القادمة، مع احتمال انخفاضها في ذروة الموسم نتيجة زيادة العرض، ما لم يتم التدخل لضبط السوق.
ويتحدث الكثير من المزارعين والتجار على معضلة النقل، حيث تنتشر دوريات الضابطة الجمركية على كافة الطرق بين الارياف والمدن، حيث تخضع لضرائب جمركية عالية التكلفة مقابل الأسعار المتدنية.
الحاجة إلى تدخل رسمي
في ظل هذه التحديات، تبرز مطالب متزايدة بضرورة تدخل الجهات المعنية لدعم تسويق محصول القمح، من خلال تحديد أسعار استرشادية عادلة، وفتح مراكز شراء كافية، وتسهيل عمليات النقل والتخزين.
ويرى مراقبون أن غياب خطة واضحة للتسويق قد يؤدي إلى خسائر للمزارعين، رغم نجاح الموسم من الناحية الإنتاجية.
التسويق الحلقة الأضعف
يشير مختصون في الشأن الزراعي والاقتصادي إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الإنتاج، بل في ضعف سلسلة التسويق الزراعي. ويؤكدون أن تحسين هذه السلسلة—من التخزين إلى النقل وصولاً إلى البيع—يسهم بشكل مباشر في حماية دخل المزارعين وتعزيز الأمن الغذائي في المنطقة.
كما شددوا على أهمية إنشاء آليات تنظيمية تضمن عدالة التسعير وتحد من دور الوسطاء غير المنظمين، إلى جانب دعم البنية التحتية الزراعية.
بين وفرة الإنتاج وتحديات التسويق، يقف مزارعو أرياف الرقة أمام مفترق طرق حاسم. فنجاح الموسم لن يُقاس فقط بكمية المحصول، بل بقدرتهم على تسويقه بشكل عادل يضمن استدامة عملهم الزراعي ويعزز الاستقرار الاقتصادي والغذائي في المنطقة.
- Advertisement -
القادم بوست
- Advertisement -