لكل السوريين

هل يقترب الشرق الأوسط من حرب لا يمكن احتواؤها

 

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يبرز التصعيد بين إسرائيل وإيران كواحد من أخطر بؤر التوتر التي تهدد بإعادة رسم خريطة المنطقة. هذا الصراع، الذي ظل لسنوات طويلة ضمن إطار “الحرب غير المباشرة” أو “حرب الظل”، بات اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى مواجهة مفتوحة، تحمل في طياتها تداعيات إقليمية ودولية معقدة.

منذ عقود، تقوم العلاقة بين الطرفين على العداء الأيديولوجي والاستراتيجي. فإيران ترى في إسرائيل كيانًا غير شرعي، بينما تنظر إسرائيل إلى إيران باعتبارها التهديد الوجودي الأكبر، خاصة في ظل برنامجها النووي وتوسع نفوذها عبر حلفاء إقليميين. لكن ما تغيّر في السنوات الأخيرة هو انتقال هذا الصراع من السرية إلى العلن، ومن العمليات المحدودة إلى ضربات أكثر جرأة ووضوحًا.

تعتمد إسرائيل في استراتيجيتها على منع إيران من تثبيت وجود عسكري قوي بالقرب من حدودها، خصوصًا في سوريا ولبنان. لذلك، نفذت عشرات الضربات الجوية التي استهدفت مواقع مرتبطة بإيران أو حلفائها. في المقابل، تعتمد إيران على سياسة “الرد غير المباشر”، عبر دعم مجموعات مسلحة في المنطقة، ما يسمح لها بالضغط على إسرائيل دون الدخول في حرب تقليدية شاملة.

غير أن هذا التوازن الهش يبدو اليوم مهددًا بالانهيار. فكل ضربة تحمل خطر التصعيد، وكل رد قد يفتح بابًا لسلسلة من الردود المتبادلة التي يصعب احتواؤها. ومع ازدياد وتيرة الهجمات وتوسع نطاقها، يصبح السؤال المطروح: هل ما زال بالإمكان تجنب الحرب الشاملة؟

الإجابة ليست بسيطة. فمن جهة، يدرك الطرفان أن الحرب المباشرة ستكون مكلفة للغاية، ليس فقط عسكريًا، بل اقتصاديًا وسياسيًا. إسرائيل ستواجه جبهات متعددة، وإيران قد تتعرض لضربات قاسية في عمق أراضيها. ومن جهة أخرى، فإن منطق الردع قد يدفع كل طرف إلى التصعيد بدل التراجع، خوفًا من إظهار الضعف.

الأخطر من ذلك هو أن أي مواجهة مباشرة لن تبقى محصورة بين الطرفين. فهناك أطراف إقليمية ودولية قد تنخرط بشكل أو بآخر، سواء دعمًا أو حماية لمصالحها. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، قد تجد نفسها مضطرة للتدخل، في حين قد تستغل قوى أخرى مثل روسيا أو الصين الوضع لتعزيز نفوذها.

إضافة إلى ذلك، فإن الشعوب في المنطقة ستكون أول من يدفع الثمن. فالحروب لا تُقاس فقط بالنتائج العسكرية، بل أيضًا بالدمار الإنساني والاقتصادي الذي تخلّفه. أي تصعيد واسع سيؤدي إلى موجات نزوح، وارتفاع في أسعار الطاقة، واضطراب في الاقتصاد العالمي.

في هذا السياق، يبدو أن الحل الوحيد يكمن في كبح جماح التصعيد والعودة إلى أدوات السياسة والدبلوماسية. لكن هذا يتطلب إرادة حقيقية من جميع الأطراف، إضافة إلى دور فاعل من المجتمع الدولي في منع الانزلاق نحو الهاوية.

ختامًا، يمكن القول إن الصراع بين إسرائيل وإيران لم يعد مجرد نزاع إقليمي عابر، بل أصبح اختبارًا لقدرة العالم على إدارة الأزمات المعقدة. فإما أن يتم احتواؤه ضمن حدود “حرب الظل”، أو أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط لعقود قادمة.

- Advertisement -

- Advertisement -