تقرير/ اـ ن
تزداد مؤشرات تدهور المستوى المعيشي للأسر في قرى ومدن الساحل السوري بشكل حاد، في ظل اتساع الفجوة بين الدخل والإنفاق الضروري لتأمين الاحتياجات الأساسية، حيث يعاني معظم السكان من ضعف الرواتب، وعدم انتظامها في بعض القطاعات، وارتفاع معدلات البطالة، ما جعل الأجر الحالي في المنطقة هشاً للغاية من حيث قيمته الحقيقية وقدرته على تلبية أبسط متطلبات الحياة اليومية.
وبحسب تقديرات ميدانية، فإن الأجر الشهري للعامل في الساحل السوري لا يغطي سوى جزء بسيط فقط من وسطي تكاليف المعيشة للأسرة.
ويستند هذا التقدير إلى متوسط أسعار مكونات سلة الغذاء في الأسواق الشعبية بمدينتي اللاذقية وطرطوس، حيث حافظ سعر الخبز على استقراره النسبي، في حين ارتفعت أسعار اللحوم الحمراء والدجاج بشكل كبير، كما سجلت أسعار الحلويات ارتفاعاً بنسبة 11.4%، والجبن بنسبة 68%، والبيض بنسبة 15.4%، والفواكه الموسمية بنسبة 2.4%.
ويرى مراقبون أن هذا التدهور الحاد في القدرة الشرائية لا يمكن تبريره بالحديث عن قلة الخيارات أو الضرورة الاقتصادية، كما تروّج له بعض الجهات الرسمية، فالمواطن العادي في الساحل السوري لا يطالب بأكثر من حقه في حياة كريمة، وضمان الحد الأدنى من مقومات المعيشة، وهو ما لا يتحقق عبر النمو الاقتصادي المحدود أو الوعود النظرية، بل من خلال رؤية وطنية شاملة تعالج جذور المشكلة وتتبنى نموذجاً اقتصادياً يضع مصلحة المواطن في صدارة الأولويات.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن ترك الأمور لقوى السوق وحدها، أو الاعتماد على جهاز دولة مترهل دون إصلاح، طريقان مسدودان، وأن الحل الحقيقي يتطلب دوراً فاعلاً للدولة في توجيه الاقتصاد نحو تلبية احتياجات المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان إعادة توزيع الموارد والثروات بما يخدم الصالح العام، لا مصالح فئات محدودة. كما يشددون على أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد دوراً محورياً للحكومة في إعادة الإعمار والتنمية البشرية، وضمان التوزيع العادل للثروة والدخل.
لقد أدت سنوات الحرب والفساد إلى تراكم الثروة بيد فئة ضيقة من المنتفعين، فيما انزلقت الغالبية العظمى من السكان إلى ما دون خط الفقر.
وتشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من سكان الساحل السوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة، وهو ما يعكس أزمة بنيوية لا يمكن تجاوزها إلا برفع فعلي لمستويات الدخل، وخاصة لفئة العاملين بأجر، الذين تلتهم رواتبهم الارتفاعات المتسارعة في الأسعار دون وجود أي آلية فعالة للضبط أو الرقابة.
ويرى اقتصاديون أن من يريد انتشال المواطنين فعلاً من الفقر، عليه أن يركز على إعادة توزيع الثروة لصالح الغالبية المتضررة، ورفع القوة الشرائية الحقيقية للأجور، فمستويات الفقر الحالية في الساحل ليست مجرد نتيجة للحرب، بل أيضاً نتاج مباشر للسياسات الاقتصادية المتبعة، التي أدت إلى تراجع الخدمات العامة، وضعف البنية التحتية، وغياب التنمية الإنتاجية.
ويؤكد المختصون أن القضاء على الفقر يتطلب رؤية وطنية متكاملة ترتكز على إعادة توجيه دفة الاقتصاد نحو تلبية احتياجات المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية، على أن تكون الحكومة المخطط والمنظم الرئيسي الذي يحدد القطاعات الاستراتيجية للنهوض بها، ويعيد بناء ما دمرته الحرب، ويوقف الاحتكارات، ويضبط الأسواق، ويحارب الفساد وسوء إدارة الموارد، كما يجب تنويع القاعدة الاقتصادية وخلق فرص عمل منتجة بدلاً من تركّز النشاط في التجارة والأنشطة الريعية.
إن تحقيق العدالة الاجتماعية في الساحل السوري، كما في سائر المناطق، يبدأ من ضمان الحد الأدنى من المعيشة الكريمة، ورفع الأجور بما يتناسب مع تكاليف الحياة الحقيقية، وتحسين الخدمات العامة، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، بما يضمن كرامة الإنسان السوري ويعيد التوازن المفقود بين الدخل والاحتياجات اليومية.