درعا/ رجاء مختار
مع إشراقة صباح درعا، تتفتح أبواب الأكشاك والبقالات الصغيرة في الأحياء الشعبية، حيث يبدأ الباعة يومهم بترتيب القهوة الجاهزة على الطاولات، وصفّ عبوات العصير على الرفوف، ووضع علب السجائر في واجهة واضحة تجذب الزبائن. في حي الكرك الشرقي، يتوقف عمال بناء متعبون قبل توجههم إلى الورشات، يطلبون قهوة سريعة وسيجارة، يتبادلون الحديث بضع دقائق ثم يرحلون. المشهد ذاته يتكرر أمام كشك آخر قرب مدرسة، حيث يقف مراهقون بزيهم المدرسي يتناوبون على شراء سيجارة أو اثنتين، يخفونها في جيوبهم قبل أن يختفوا بين الأزقة.
هذه المشاهد اليومية التي اعتادها سكان درعا قد تتغير قريبًا، بعد أن بدأت أحاديث عن نية المحافظة إصدار تعميم يمنع بيع السجائر والأراكيل في الأكشاك ومحلات البقالة، واقتصارها على المراكز المرخصة فقط. الفكرة تثير جدلًا واسعًا بين مؤيد يرى فيها خطوة لحماية الأجيال الشابة، ومعارض يخشى أن تقطع شريان رزقه الوحيد.
في سوق المخيم، يقف أبو أحمد خلف بسطة متواضعة، يراقب المارة الذين يشترون حاجيات بسيطة. يروي بقلق أن نصف دخله تقريبًا يعتمد على مبيعات الدخان: “الزبون لما يجي ياخد علبة دخان، بيشتري معها بسكويت أو مشروب. إذا ما في دخان، الكل بيروح لمكان تاني”. وعلى مقربة منه، تجلس أم فارس أمام بقاليتها الصغيرة، ترتب أكياس المعكرونة والبقوليات، لكنها لا تخفي أن السجائر تجذب زبائنها أكثر من أي سلعة أخرى. تقول بأسى: “إذا منعونا بيعها، حنخسر حركة البيع كلها”.
لكن الصورة لا تبدو قاتمة للجميع. في حي درعا البلد، تعبّر سلمى، وهي أم لثلاثة أولاد، عن ارتياحها للفكرة: “ابني عمره 14 سنة صار يجرب السيجارة لأنه لقاها بسهولة عند الكشك. إذا بطل يلاقيها بهالسهولة، يمكن يتركها من أولها”. كلمات سلمى تجد صدى لدى طبيب الأمراض الصدرية، الدكتور عمر العلي، الذي يرى أن المنع خطوة صحية ضرورية، لكنه يشدد على أن نجاحها يتوقف على الرقابة: “لو ما في متابعة حقيقية، رح يلقوا الأولاد السيجارة بالسوق السوداء أو من محلات ما عليها عين”.
وفي الأحياء المكتظة قرب الجامعات، يزداد المشهد تعقيدًا. طلاب يقفون مسرعين أمام الأكشاك يشترون سيجارة قبل المحاضرة، بينما ينادي بائع آخر على مشروبات باردة يضعها بجانب علب التبغ. أحد الطلاب، ويدعى محمد وعمره 17 عامًا، يعترف: “إذا منعوها بالكشك، رح نشتريها من محل مرخص أو من شخص يبيع خفية. الموضوع ما رح ينتهي بسهولة”.
المجالس المحلية في درعا تعترف بدورها بأن الأمر يحتاج خطة مدروسة. أحد أعضائها أوضح أن الأكشاك منتشرة في كل حي وشارع، ومن الصعب ضبطها جميعًا دفعة واحدة، مشيرًا إلى ضرورة توفير بدائل معيشية للباعة أو منحهم فترة انتقالية. فالتعجل في تطبيق المنع قد يدفع بعضهم إلى الإغلاق أو البحث عن طرق ملتوية للاستمرار.
الشارع في درعا يعيش إذًا بين مشهدين متناقضين: في الصباح، باعة يفتحون أكشاكهم ويعتمدون على دخان يدرّ عليهم لقمة العيش، وفي المقابل، أولاد صغار يخفون سيجارة في جيب المدرسة، وأمهات يراقبن بقلق، وأطباء يحذرون من كارثة صحية صامتة. وبين هذا وذاك، يقف المسؤولون أمام امتحان عسير، فكيف يمكن التوفيق بين حماية الصحة العامة وضمان عدم انهيار مصادر رزق البسطاء؟
بين الأزقة والأسواق، حيث يختلط صوت باعة الخضار بنداء أصحاب الأكشاك، تبقى علب السجائر شاهدة على معضلة يومية في درعا. معضلة لا تتعلق فقط بدخان يتصاعد من سيجارة، بل بدخان كثيف يثقل حياة الناس بين البحث عن لقمة عيش كريمة وحماية الأبناء من إدمان مبكر قد يلازمهم العمر كله.