بات ملف نزع سلاح حزب الله واحداً من أبرز الملفات المطروحة على طاولة الترتيبات الأمنية والسياسية في المنطقة، في ظل المساعي الرامية إلى تثبيت الاستقرار في لبنان بعد سنوات طويلة من التوترات والمواجهات.
وفي وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على الحكومة اللبنانية من أجل تكريس مبدأ احتكار الدولة للسلاح وإنهاء وجود أي قوة عسكرية خارج إطار المؤسسات الرسمية، تتجه الأنظار بشكل متزايد نحو سوريا، باعتبارها الحلقة الأكثر تأثيراً في أي محاولة تهدف إلى الحد من قدرة الحزب على إعادة بناء ترسانته العسكرية.
فالمعضلة لا ترتبط فقط بحجم النفوذ الذي يمتلكه حزب الله داخل لبنان، أو بالتوازنات السياسية والطائفية المعقدة، بل ترتبط أيضاً بقدرته على تعويض خسائره عبر شبكات الدعم والإمداد الممتدة خارج الحدود، وفي مقدمتها الأراضي السورية التي شكلت لسنوات طويلة العمق اللوجستي الأهم للحزب.
على مدى عقود، لعبت سوريا دور الممر الرئيسي لحركة الأسلحة الإيرانية المتجهة إلى حزب الله، حيث ساهمت الطرق البرية وشبكات النقل والتخزين في بناء قدرات عسكرية جعلت الحزب أحد أكثر التنظيمات المسلحة نفوذاً في المنطقة.
ورغم التغيرات السياسية التي شهدتها دمشق بعد سقوط نظام بشار الأسد ووصول قيادة جديدة إلى السلطة، فإن شبكات التهريب لم تختفِ بشكل كامل، بل استمرت بعض مساراتها بالعمل عبر مجموعات وشبكات مالية وأمنية تشكلت خلال سنوات الحرب السورية.
ولهذا يرى مراقبون أن أي خطة جدية لنزع سلاح حزب الله داخل لبنان لا يمكن أن تنجح من دون معالجة مصادر القوة الخارجية التي تسمح له بإعادة بناء قدراته. فبقاء خطوط الإمداد مفتوحة يعني إمكانية استعادة الحزب جزءاً من قوته مهما بلغت الضغوط الداخلية عليه.
وتختلف علاقة دمشق الجديدة بحزب الله بصورة جذرية عن المرحلة السابقة. فالحزب كان لاعباً رئيسياً في دعم نظام الأسد خلال الحرب السورية، وشارك في معارك عديدة إلى جانب قواته، الأمر الذي ترك إرثاً ثقيلاً من العداء مع القوى التي وصلت إلى الحكم بعد سقوط النظام السابق.
وبناءً على ذلك، لا تنظر القيادة السورية الحالية إلى حزب الله باعتباره حليفاً استراتيجياً كما كان في الماضي، بل تعتبره أحد الأطراف المرتبطة بمرحلة الحرب التي خلفت آثاراً عميقة على سوريا.
وقد عبّرت السلطات السورية الجديدة عن دعمها لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، مؤكدة استعدادها للتعاون في منع استخدام الأراضي السورية كمسار لإعادة تسليح الحزب.
وخلال الفترة الأخيرة، أعلنت دمشق عن إحباط عمليات تهريب أسلحة وصواريخ باتجاه لبنان، إضافة إلى ملاحقة بعض الشبكات المرتبطة بعمليات النقل غير الشرعي. وتشير تقديرات أمنية إلى أن هذه الإجراءات ساهمت في تقليص جزء من حركة التهريب، رغم أن القضاء الكامل على هذه الشبكات ما زال يحتاج إلى قدرات أكبر.
وتواجه سوريا في هذا المجال تحديات كبيرة، أبرزها ضعف الإمكانات الأمنية والاقتصادية، إضافة إلى الحاجة إلى تثبيت سلطة الدولة على كامل أراضيها بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام. لذلك فإن مواجهة شبكات التهريب المرتبطة بحزب الله تتطلب دعماً وتنسيقاً دولياً.
ومن هنا تبرز فكرة التعاون بين الولايات المتحدة وسوريا وإسرائيل، باعتباره أحد السيناريوهات المطروحة لمعالجة ملف إعادة تسليح الحزب. فالولايات المتحدة ترى أن تقليص قدرات حزب الله يمثل جزءاً من ترتيبات أمنية أوسع في المنطقة، بينما تعتبر إسرائيل أن منع وصول الأسلحة إلى الحزب أولوية استراتيجية.
ويرى مؤيدو هذا المسار أن واشنطن يمكن أن تلعب دور الوسيط بين دمشق وتل أبيب، من خلال بناء قنوات تنسيق أمنية محددة تركز على تبادل المعلومات حول طرق التهريب والمخازن والشبكات التي تدير عمليات نقل السلاح.
وقد يبدأ التعاون في نطاق محدود عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية، قبل أن يتطور إلى إجراءات أوسع تهدف إلى إغلاق الممرات اللوجستية التي يعتمد عليها حزب الله للحفاظ على قدراته العسكرية.
وفي حال تحقق ذلك، فإن تأثيره قد لا يقتصر على إضعاف الحزب فقط، بل قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة بين سوريا وإسرائيل، رغم استمرار الخلافات الكبرى بين الطرفين، وفي مقدمتها قضية الجولان.
لكن هذا السيناريو لا يخلو من عقبات. فالثقة بين دمشق وتل أبيب ما تزال محدودة، وأي تعاون علني قد يواجه حساسيات داخلية في سوريا، كما أن حزب الله وإيران قد يعملان على الحفاظ على طرق الإمداد التي تمثل عنصراً أساسياً في نفوذهما داخل لبنان.
ومع ذلك، فإن التحولات الإقليمية الأخيرة جعلت سوريا لاعباً مركزياً في معادلة نزع سلاح حزب الله. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بالساحة اللبنانية، بل أصبحت متصلة أيضاً بقدرة المنطقة على منع إعادة إنتاج شبكات التمويل والتسليح التي حافظت على قوة الحزب لسنوات.
وفي هذا السياق، تبدو دمشق أمام دور جديد قد يجعلها إحدى أهم الحلقات في أي استراتيجية تهدف إلى تقليص نفوذ حزب الله وإعادة رسم التوازنات الأمنية في لبنان والمنطقة.