التنافس التركي – الإسرائيلي يفتح جبهة جديدة في سوريا… هل يتوسع التوغل الإسرائيلي جنوباً؟
التصعيد بين أنقرة وتل أبيب يعيد رسم معادلات النفوذ وسط مخاوف من تحويل الجنوب السوري إلى ساحة صراع إقليمي
تدخل التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا مرحلة جديدة من التصعيد، بالتزامن مع تدهور غير مسبوق في العلاقات السياسية بين إسرائيل وتركيا، ما يثير تساؤلات حول إمكانية توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وحدود انعكاس التنافس الإقليمي على مستقبل الاستقرار في البلاد.
ورغم تصاعد حدة الخطاب السياسي بين أنقرة وتل أبيب، يستبعد محللون تحول هذا التوتر إلى مواجهة عسكرية مباشرة، معتبرين أن الصراع الدائر يتجاوز الساحة السورية ليعكس تنافساً أوسع على النفوذ الإقليمي ومسارات الطاقة وإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
جنوب سوريا… عقدة جيوسياسية
شهدت الأشهر الأخيرة استمراراً للعمليات العسكرية الإسرائيلية في محافظتي القنيطرة ودرعا، إلى جانب تكثيف الضربات الجوية التي تقول تل أبيب إنها تستهدف منع تمركز قوى تعتبرها معادية قرب حدودها.
ويرى مراقبون أن الجنوب السوري لم يعد مجرد منطقة حدودية، بل تحول إلى نقطة ارتكاز في مشاريع النقل والطاقة الإقليمية، إذ تمر عبره تصورات لربط الخليج العربي بالموانئ السورية ثم الأسواق الأوروبية، وهو ما يمنحه أهمية استراتيجية متزايدة.
ويعتقد محللون أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء هذه المنطقة في حالة عدم استقرار أمني، بما يعرقل أي مشاريع اقتصادية أو لوجستية قد تمنح سوريا دوراً محورياً في شبكات التجارة والطاقة مستقبلاً.
التنافس مع تركيا يتجاوز الملف السوري
في المقابل، تعمل تركيا على ترسيخ موقعها كمركز إقليمي للطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا، وهو ما يضعها في حالة تنافس متزايد مع إسرائيل على النفود الاقتصادي والجيوسياسي.
وجاءت تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخيرة، التي اعتبر فيها أن أمن تركيا يبدأ من حلب ودمشق وبيروت، في إطار تأكيد أنقرة على ارتباط أمنها القومي بالتطورات داخل سوريا.
في المقابل، صعّد مسؤولون إسرائيليون من لهجتهم تجاه تركيا، ولوّح بعضهم بإقامة قواعد عسكرية داخل الأراضي السورية إذا مضت أنقرة في توسيع وجودها العسكري هناك، في مؤشر على انتقال الخلاف من الملفات الدبلوماسية إلى رسائل ردع متبادلة.
الانتخابات الإسرائيلية عامل مؤثر
يربط عدد من الخبراء بين التصعيد الإسرائيلي الحالي والانتخابات التشريعية المرتقبة في إسرائيل، إذ غالباً ما يحتل الملف الأمني موقعاً مركزياً في الحملات الانتخابية.
ويشير محللون إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو تحاول تقديم نفسها باعتبارها الأكثر قدرة على مواجهة التهديدات الإقليمية، سواء في غزة أو لبنان أو سوريا، الأمر الذي يفسر استمرار العمليات العسكرية والتصعيد الإعلامي خلال المرحلة الحالية.
كما يرى مراقبون أن إبقاء الجبهة السورية في دائرة التوتر يمنح الحكومة الإسرائيلية هامشاً أكبر لحشد التأييد الداخلي، دون الانزلاق إلى حرب واسعة يصعب التحكم بنتائجها.
هل يتوسع التوغل الإسرائيلي؟
رغم استمرار العمليات الإسرائيلية، يستبعد خبراء أن تتحول إلى احتلال واسع أو مواجهة مباشرة مع تركيا، مرجعين ذلك إلى عدة اعتبارات، أبرزها:
الوجود الأميركي الفاعل في إدارة توازنات المنطقة.
عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وما يفرضه ذلك من قيود استراتيجية.
إدراك إسرائيل وتركيا أن أي صدام مباشر ستكون كلفته السياسية والعسكرية والاقتصادية مرتفعة على الطرفين.
استمرار قنوات التواصل غير المعلنة بين القوى الدولية لمنع انفلات الأوضاع في سوريا.
ويؤكد محللون أن ما يجري حالياً يندرج ضمن إطار “إدارة التنافس” أكثر من كونه تمهيداً لحرب إقليمية، مع استخدام سوريا كساحة لإرسال الرسائل السياسية والعسكرية.
انعكاسات مباشرة على سوريا
يدفع السوريون ثمن هذا التنافس من خلال استمرار حالة عدم الاستقرار في الجنوب، وتأخر مشاريع إعادة الإعمار والاستثمار، فضلاً عن تصاعد المخاوف من تحول الأراضي السورية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية.
كما أن استمرار التوغلات والضربات الجوية يضعف قدرة الدولة السورية على بسط سيادتها الكاملة، ويؤثر في البيئة الأمنية اللازمة لإطلاق مشاريع اقتصادية كبرى، خصوصاً تلك المتعلقة بقطاعي النقل والطاقة.
ويرى مراقبون أن أي تسوية مستدامة في سوريا ستظل رهينة التفاهمات الإقليمية والدولية، وأن إنهاء التنافس على النفوذ يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة الاستقرار.
مؤشرات المرحلة المقبلة
تشير القراءة السياسية إلى أن الأشهر المقبلة ستشهد استمرار التوتر الإسرائيلي في الجنوب السوري، مع احتمال زيادة الضغوط العسكرية والسياسية حتى انتهاء الاستحقاق الانتخابي في إسرائيل.
وفي المقابل، يرجح أن تواصل تركيا تعزيز حضورها السياسي والأمني في الملف السوري دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل، في ظل حرص الطرفين على إبقاء الصراع ضمن حدود المنافسة الاستراتيجية.
وبين حسابات الانتخابات الإسرائيلية، وطموحات تركيا الإقليمية، وتعقيدات المشهد السوري، يبقى الجنوب السوري إحدى أكثر الساحات هشاشة في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية، بينما يظل الاستقرار الكامل رهناً بتسوية سياسية أوسع تتجاوز حدود سوريا نفسها.