تتزايد في العواصم الأوروبية حالة الحذر تجاه الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران، وسط مخاوف من أن يفتح الطريق أمام إعادة دمج طهران في النظام الدولي من دون ضمانات كافية بشأن تغيير سلوكها الإقليمي أو الحد من نفوذها في ملفات الشرق الأوسط.
وبينما ترى واشنطن في الاتفاق فرصة لاحتواء التصعيد وفتح مسار تفاوضي طويل الأمد مع إيران، تبدو المقاربة الأوروبية أكثر تحفظاً، إذ تتساءل بعض العواصم عن مدى قدرة هذا التفاهم على إنتاج استقرار حقيقي، في ظل استمرار الخلافات المرتبطة بالدور الإيراني الإقليمي.
وتتجسد هذه المخاوف في تصريحات نائب رئيس البرلمان الألماني عن حزب الخضر، أوميد نوريبور، الذي وجّه انتقادات واضحة للاتفاق، معتبراً أن القضية لا تتعلق فقط بإدارة الملف النووي أو تخفيف التوترات، بل بما قد يمنحه الاتفاق من مكاسب سياسية واقتصادية للنظام الإيراني دون مقابل ملموس على مستوى تغيير السياسات.
ويرى نوريبور أن أي تخفيف واسع للعقوبات في المرحلة الحالية قد يؤدي إلى تعزيز موقع طهران دولياً وإعادة تأهيلها سياسياً، من دون أن يقابله تحول واضح في سلوكها الخارجي أو في ملفات النفوذ الإقليمي.
وتتركز إحدى أبرز الانتقادات الأوروبية على أن الاتفاق يركز بصورة أساسية على الملف النووي وإجراءات خفض التصعيد، بينما لا يقدم معالجة شاملة لدور إيران في المنطقة أو علاقتها بالفصائل المسلحة المتحالفة معها في عدد من الدول.
ويحذر منتقدو الاتفاق من أن غياب هذه الملفات قد يجعل أي تهدئة مؤقتة، بحيث تنخفض حدة التوتر في المدى القصير، بينما تبقى أسباب الأزمات قائمة وقابلة للعودة عند أول اختبار سياسي أو أمني.
كما يثير الأوروبيون مسألة محدودية مشاركة دول المنطقة في صياغة التفاهمات، معتبرين أن الدول الأكثر تأثراً بالسياسات الإيرانية، ولا سيما دول الخليج، تحتاج إلى دور أكبر في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، لضمان بناء إطار إقليمي أكثر توازناً واستدامة.
ويشير نوريبور إلى أن التعامل مع إيران كطرف طبيعي في المجتمع الدولي يحتاج، من وجهة نظره، إلى ربط الانفتاح السياسي والاقتصادي بخطوات واضحة تتعلق بالسلوك الإقليمي، وليس الاكتفاء بالتفاهمات التقنية أو النووية.
وفي المقابل، ترى بعض الدول الأوروبية أن الاتفاق قد يشكل فرصة لإعادة فتح قنوات الحوار مع طهران بعد سنوات من التوتر، وأن خفض التصعيد النووي يمكن أن يكون مدخلاً لمعالجة ملفات أخرى لاحقاً. إلا أن دولاً أخرى تبدي خشيتها من أن يؤدي التركيز على الملف النووي وحده إلى تجاهل التحديات الأمنية الأوسع في الشرق الأوسط.
ويزداد الجدل الأوروبي مع المواقف السياسية التي اعتبرها البعض أكثر انفتاحاً على طهران، ومنها تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس التي حملت رسائل ترحيب بالتفاهم، ما أثار نقاشاً حول طبيعة التحول المحتمل في السياسة الأوروبية تجاه إيران.
ويأتي هذا النقاش في ظل تحليلات تشير إلى أن الولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط، عبر تقليل الانخراط المباشر في بعض أزمات المنطقة والاعتماد بشكل أكبر على التفاهمات السياسية لإدارة التوازنات. إلا أن هذا النهج يثير مخاوف أوروبية من احتمال ظهور فراغ استراتيجي قد تستفيد منه قوى إقليمية لتعزيز نفوذها.
وعلى المستوى العملي، يقوم الاتفاق على مسار تفاوضي يهدف إلى التوصل إلى تفاهمات نهائية حول الملف النووي الإيراني، إلى جانب ترتيبات مرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز وخفض التصعيد في بعض الملفات الإقليمية. لكن منتقديه يرون أن نجاحه يتطلب آليات رقابة واضحة وضمانات تنفيذ فعالة.
كما يبرز العامل الاقتصادي في صلب الجدل الأوروبي، إذ يخشى بعض المسؤولين من أن يؤدي تخفيف العقوبات إلى زيادة الموارد المالية المتاحة لطهران من دون ضوابط كافية، ما قد ينعكس على قدرتها في تعزيز نفوذها الإقليمي.
وتعكس التحفظات الأوروبية تجاه الاتفاق الأميركي الإيراني حالة من التوازن الصعب بين فرصة خفض التوتر من جهة، والمخاوف من إعادة إنتاج أزمات المنطقة بصيغة جديدة من جهة أخرى. وبينما تدفع واشنطن باتجاه مسار تفاوضي مع طهران، تفضل أوروبا مراقبة النتائج بحذر قبل تبني موقف نهائي.