لكل السوريين

قطع الأشجار غير القانوني يحوّل غابات الرقة إلى أراضٍ قاحلة

الرقة – غادة علي

تشهد الرقة تراجعاً ملحوظاً في المساحات الحراجية، نتيجة التعديات المختلفة وقطع الأشجار بشكل غير قانوني، الأمر الذي انعكس سلباً على التنوع البيئي، وأسهم في زيادة مخاطر التصحر وتدهور التربة في المنطقة.

ورغم الجهود التي تبذلها الجهات الرسمية والمجتمعية لحماية الغابات، إلا أن الواقع الميداني لا يزال يثير القلق، ولا سيما في ظل غياب برامج فعالة للرقابة والتوعية، ما جعل الغطاء النباتي في الرقة يتراجع بشكل لافت، وأدى إلى تشكل مناطق شبه صحراوية خلال الفترة الأخيرة.

وتشير المعطيات إلى أن الغابات الحراجية في ريف الرقة الغربي تشهد تراجعاً واضحاً في أعدادها، ما تسبب بتدهور الغطاء النباتي بشكل عام، كما انخفضت المساحات الحراجية في الرقة إلى ما دون 40% منذ بداية الحرب السورية، بحسب تقديرات محلية.

ويعود سبب تقلص أعداد الأشجار الحراجية إلى عدة عوامل، أبرزها أزمة المحروقات التي دفعت السكان لاستخدام الأشجار كمصدر بديل للطاقة في التدفئة والطهي منذ بداية الحرب السورية، دون الاستفادة الاقتصادية المنظمة منها.

إضافة إلى ذلك، كان للرعي الجائر دور كبير في تدهور الغطاء النباتي، نتيجة غياب الرقابة والاهتمام، إلى جانب نقص مياه نهر الفرات وعدم سقاية الأشجار، بالتزامن مع موجات القحط وقلة الأمطار التي أصابت المنطقة، ما فاقم من تراجع الغطاء النباتي.

وفيما يتعلق بملف الحرائق، تشير المعطيات البيئية إلى وجود ثلاثة عناصر رئيسية تتسبب في اندلاع أي حريق وتتحكم بسلوكه وشدته، وهي المواد القابلة للاشتعال، والطبوغرافيا، والطقس، وينطلق العامل الأول من الفيول الطبيعي داخل الغابات، أي الكتلة الحيوية التي تشكلها الأشجار والنباتات.

وتعاني الرقة اليوم من تخمة غير مسبوقة في الكتل الحرجية المشبعة بالمواد القابلة للاحتراق، إذ أدى تراجع نشاط الرعي داخل الغابات إلى نمو طبقات كثيفة من الأعشاب الجافة، التي تشكل في أغلب الأحيان الشرارة الأولى لاندلاع الحرائق، ويضاف إلى ذلك إهمال مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ولا سيما تلك المتاخمة للإحراج، ما يزيد من هشاشة المشهد البيئي ويضاعف من خطورة اندلاع الحرائق.

وفي هذا السياق، صرحت الرئاسة المشتركة لهيئة البيئة في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، بسمة محمد، لصحيفة “السوري”، أن الحديث عن البيئة يجب أن يكون عاماً ولا يقتصر على منطقة فقط، مؤكدة أن البيئة مسؤولية جماعية تقع على عاتق الجميع.

وأوضحت أن التعديات التي شهدتها مناطق شمال وشرق سوريا في السنوات الماضية جاءت نتيجة الظروف الصعبة التي مر بها المجتمع، ما أدى إلى التعدي على الأشجار والبيئة بشكل عام، إضافة إلى التعديات على صيد الأسماك والأنهار.

وأكدت بسمة محمد أن البيئة لا تقتصر على الأشجار فقط، بل تشمل منظومة متكاملة، مشيرة إلى أن العبء الأكبر كان يقع سابقاً على هيئة البيئة في شمال وشرق سوريا.

وأضافت أنه جرى مؤخراً وبالتنسيق مع قوى الأمن الداخلي التابعة للإدارة الذاتية إنشاء قوات خاصة لحماية البيئة، تكون رديفة ومنسقة مع هيئة البيئة ومجالسها في مختلف المناطق، بهدف الحد من التجاوزات والتعديات البيئية.

وبيّنت أن هذه القوات ستقوم بجولات رصد ومتابعة لعمليات قطع الأشجار، والصيد الجائر للأسماك، إضافة إلى مراقبة التعديات البيئية بشكل عام، مشيرة إلى وجود تنسيق إداري وعمل مشترك مع قوات الأمن الداخلي في شمال سوريا، إلى جانب التنسيق مع هيئة البيئة والمجالس التابعة لها.

وأكدت أن الأيام القادمة ستشهد توزيع بروشورات توعوية وإطلاق حملات تستهدف المجتمع المحلي، لتعزيز الوعي البيئي، لافتة إلى أن البيئة تعد نقطة حساسة، وأن مناطق شمال وشرق سوريا تعاني منذ نحو 15 عاماً من أزمات بيئية متراكمة، إلا أن الجهود الحالية تسعى إلى استعادة البيئة والحياة الطبيعية، رغم المعاناة من نقص المياه والتعديات المختلفة، إلى جانب الكوارث الطبيعية.

ونوهت بسمة محمد إلى أن هيئة البيئة ستقدم المساعدة والدعم للحد من قطع الأشجار والتعديات البيئية، خاصة تلك التي تعد من الكوارث المجتمعية الناتجة عن السلوك البشري.

وحول دور المجتمع المحلي، أوضحت بسمة محمد أن غالبية التعديات على الغابات وقطع الأشجار تعود إلى ممارسات مجتمعية، داعية السكان إلى إدراك أن الغابات الحراجية الموجودة في شمال وشرق سوريا هي ملك للمجتمع بأكمله، وأن حمايتها ليست مسؤولية هيئة البيئة أو البلديات أو قوات حماية البيئة وحدها.

وفيما يخص الإحصائيات المتعلقة بعدد الأشجار والمساحات المتضررة، أشارت بسمة محمد إلى عدم وجود أرقام دقيقة، رغم وجود غابات كثيفة في مناطق عدة مثل جبل عبد العزيز، والجرنية، وكوباني، وغيرها.

وأضافت أن نسبة التعديات قد تصل إلى نحو 80%، وهي نسبة مرتفعة تعكس حجم الضرر البيئي، مؤكدة أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي مر بها المجتمع كانت من أبرز أسباب هذه التعديات.

وبينت بسمة محمد أن الجهات المعنية تعتمد عدة إجراءات للحد من قطع الأشجار وحماية الغابات، من بينها تشكيل لجنة تدريب تقوم بجولات ضمن الكومينات والمجتمع المحلي، وتنفيذ برامج تدريبية، وتوزيع بروشورات توعوية تهدف إلى الحد من التجاوزات والتعديات على الغطاء النباتي.

وأشارت إلى أنه رغم تحقيق تنسيق مع المجتمع وهيئة البيئة بنسبة تصل إلى 30%، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، مؤكدة استمرار حملات التوعية والعمل الميداني.

وختمت بسمة محمد بالتأكيد على أن أي تعدٍ على البيئة يخضع لقانون تم الإعلان عنه مؤخراً، وأن هذا القانون سيعمل على الحد من قطع الأشجار وحماية البيئة بشكل عام، من خلال تطبيق الإجراءات القانونية بحق المخالفين، بالتوازي مع الجهود التوعوية والمجتمعية.

- Advertisement -

- Advertisement -