لكل السوريين

عون من النبطية: لا مفاوضات مع إسرائيل.. الجنوب بين التصعيد وتعطّل المسار الدبلوماسي

زيارة الرئيس اللبناني إلى النبطية جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تأجيل محادثات روما إلى تشرين الأول وتكثيف إسرائيل عملياتها العسكرية في الجنوب

في رسالة سياسية حملت أكثر من دلالة، أعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون من مدينة النبطية أن لبنان لا يجري في الوقت الراهن مفاوضات جديدة مع إسرائيل، مؤكداً تمسك الدولة اللبنانية بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وعودة الأسرى والنازحين، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، باعتبارها ثوابت وطنية.

وجاء موقف عون خلال زيارة مفاجئة إلى النبطية، السبت، رافقه فيها قائد الجيش العماد رودولف هيكل وعدد من قادة الأجهزة الأمنية، في وقت يعيش فيه الجنوب اللبناني واحدة من أكثر مراحله توتراً منذ اتفاق وقف إطلاق النار. واكتسبت الزيارة أهمية إضافية لوقوع النبطية بالقرب من مرتفعات علي الطاهر، التي أعلنت إسرائيل أخيراً تدمير منشأة واسعة تحت الأرض قالت إنها تابعة لحزب الله.

دبلوماسية معلّقة على وقع التصعيد

تزامن موقف عون مع إعلان تأجيل الجولة المقبلة من المحادثات اللبنانية ـ الإسرائيلية، التي كان من المقرر عقدها في روما برعاية أميركية خلال الأيام المقبلة، إلى شهر تشرين الأول. ووفق ما نقلته رويترز عن مسؤول أميركي، فإن التأجيل يرتبط بعوامل تتصل بجدول المواعيد والالتزامات الدولية، فيما يفترض أن تستمر الاتصالات الدبلوماسية بصورة غير مباشرة.

لكن تأجيل الموعد لا يخفي المشكلة الأساسية التي تواجه المسار التفاوضي؛ فبينما تتحدث واشنطن عن استمرار المساعي الدبلوماسية، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في الجنوب، الأمر الذي يجعل أي تفاوض مستقبلي محكوماً بوقائع ميدانية تتغير بصورة متسارعة.

ويبدو أن بيروت تحاول تثبيت معادلة واضحة قبل العودة إلى طاولة المفاوضات: لا يمكن أن تتحول المفاوضات إلى غطاء لاستمرار الاحتلال أو إلى مسار منفصل عن قضايا الانسحاب وعودة السكان وإعادة الإعمار.

علي الطاهر.. رسالة عسكرية تتجاوز الأنفاق

وكانت إسرائيل قد أعلنت في العاشر من أيلول تدمير شبكة أنفاق قالت إنها تابعة لحزب الله في مرتفعات علي الطاهر، مشيرة إلى أن الشبكة تمتد لنحو كيلومترين وتضم منشآت للقيادة ومخازن للأسلحة ومواقع تحت الأرض. وتقول إسرائيل إن العملية هدفت إلى تثبيت منطقة أمنية في الجنوب، في حين يأتي ذلك وسط خلاف مستمر حول تطبيق التفاهمات التي يفترض أن تقود إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي ونزع سلاح حزب الله.

ولم تكن العملية مجرد تطور عسكري محدود، إذ رافقتها انفجارات ضخمة سجلت بعدها هزة أرضية بلغت قوتها 4.1 درجات وفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، ما عزز حجم المخاوف لدى السكان في المناطق المحيطة.

وفي الأيام السابقة، شهد الجنوب أيضاً ضربات إسرائيلية دامية، من بينها غارات على كفر رمان أسفرت عن مقتل 12 شخصاً، بينهم أطفال، في واحدة من أكثر الهجمات دموية خلال الأسابيع الأخيرة.

الدولة اللبنانية أمام اختبار الجنوب

زيارة عون للنبطية لم تكن سياسية فقط، بل حملت أيضاً رسالة حضور للدولة اللبنانية في منطقة تعاني من القصف والدمار والنزوح. فقد تفقد السرايا الحكومية التي لحقت بها أضرار، ومبنى مصرف لبنان، قبل أن يزور المستشفى الحكومي ويشكر العاملين فيه على استمرارهم في تقديم الخدمات الطبية رغم الظروف الأمنية الصعبة.

ويأتي ذلك فيما يطالب سكان الجنوب بتعزيز حضور الجيش اللبناني لحماية المناطق الحدودية ومنع توسع العمليات الإسرائيلية، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى إعادة إنتاج دورة الحرب بدلاً من تثبيت وقف إطلاق النار. وقد أشارت تقارير إلى أن سكاناً في المنطقة باتوا ينظرون إلى تعزيز انتشار الجيش بوصفه عاملاً أساسياً في حماية القرى ومنع أي عملية برية جديدة.

إلى أين يتجه المسار؟

المشهد اللبناني اليوم يقف أمام معادلة شديدة التعقيد: مسار تفاوضي مؤجل، وتصعيد عسكري مستمر، ومواقف إسرائيلية تشترط معالجة ملف سلاح حزب الله، في مقابل تمسك بيروت بانسحاب القوات الإسرائيلية وعودة النازحين وإعادة الإعمار.

وبين المسارين، تبدو النبطية عنواناً واضحاً للأزمة؛ مدينة تحاول استعادة حياتها، فيما تتجدد الغارات حولها وتُفجّر منشآت عسكرية تحت الأرض بالقرب منها.

ولذلك فإن إعلان عون “لا مفاوضات جديدة حالياً” لا يعني بالضرورة إغلاق الباب أمام الدبلوماسية، بقدر ما يعكس محاولة لبنانية لرفض التفاوض تحت ضغط النار. فالمشكلة لم تعد في تحديد موعد جديد للمحادثات، وإنما في قدرة الوساطة الدولية على وقف التصعيد وفرض مسار قادر على تحويل التفاهمات السياسية إلى انسحاب فعلي وعودة آمنة للسكان وإعادة إعمار الجنوب.

وفي حال استمر التصعيد حتى موعد الجولة المرتقبة في تشرين الأول، فإن طاولة روما لن تكون أمام ملف تفاوضي عادي، بل أمام واقع ميداني جديد فرضته الضربات الإسرائيلية وتوسّع المنطقة العازلة وتعاظم المخاوف اللبنانية من عودة الحرب إلى الجنوب.

- Advertisement -

- Advertisement -