المحروقات إلى الأعلى مجدداً.. الأسعار تتغير والعبء يبقى على السوريين
نشرة جديدة ترفع أسعار البنزين والمازوت والغاز.. والأسئلة تتجدد حول كلفة الطاقة على المواطن والاقتصاد
أصدرت اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية نشرة جديدة لأسعار المشتقات النفطية، تضمنت تعديلات على أسعار عدد من المواد الأساسية، وسط واقع اقتصادي لا يزال يضغط بقوة على الأسر السورية والقطاعات الإنتاجية والخدمية.
وبحسب النشرة الجديدة، حُدد سعر ليتر بنزين أوكتان 95 عند 195 ليرة سورية، وبنزين أوكتان 90 عند 185 ليرة، فيما بلغ سعر ليتر المازوت 175 ليرة، وحددت أسطوانة الغاز المنزلي بـ1600 ليرة، والغاز الصناعي بـ2560 ليرة، في حين وصل سعر طن الفيول إلى 52800 ليرة.
وتأتي هذه الأسعار بعد سلسلة من التغييرات التي شهدتها سوق المحروقات خلال عام 2026. ففي نهاية حزيران، أعلنت وزارة الطاقة تخفيض أسعار البنزين والمازوت والغاز، إذ وصل بنزين 95 إلى 130 ليرة، وبنزين 90 إلى 125 ليرة، والديزل إلى 107 ليرات، بينما حُددت أسطوانة الغاز المنزلية بـ1500 ليرة.
لكن الأسعار عادت إلى الارتفاع خلال تموز، إذ وصل بنزين 95 إلى 149 ليرة والمازوت إلى 121 ليرة، قبل أن تسجل الأسعار المنشورة في مطلع أيلول نحو 152 ليرة لبنزين 95، و147 ليرة لبنزين 90، و125 ليرة للمازوت، مع بقاء سعر الغاز المنزلي عند حدود 1500 ليرة.
وبالمقارنة مع هذه المستويات، تبدو الزيادة الجديدة أكثر وضوحاً، إذ ارتفع بنزين 95 من 152 إلى 195 ليرة، أي بنحو 28 في المئة، فيما ارتفع بنزين 90 من 147 إلى 185 ليرة، بزيادة تقارب 26 في المئة. أما المازوت، وهو الأكثر ارتباطاً بالنقل والزراعة والمولدات والقطاعات الإنتاجية، فقد قفز من 125 إلى 175 ليرة، أي بزيادة تبلغ نحو 40 في المئة.
وهنا لا تتوقف القضية عند سعر الليتر في محطة الوقود، فالمازوت تحديداً يدخل في تكاليف النقل والإنتاج والري وتشغيل الآليات والمولدات، وبالتالي فإن رفع سعره قد يجد طريقه سريعاً إلى أسعار السلع والخدمات. فزيادة تكلفة نقل البضائع، على سبيل المثال، لا تبقى محصورة في قطاع النقل، وإنما تنتقل في نهاية المطاف إلى سعر الغذاء والمواد الاستهلاكية والخدمات.
أما البنزين، فإن ارتفاع أسعاره يضيف بدوره عبئاً جديداً على أصحاب السيارات والعاملين في النقل، في وقت أصبحت فيه كلفة التنقل جزءاً أساسياً من ميزانية الأسرة السورية، خصوصاً بالنسبة للموظفين والعمال الذين يضطرون إلى التنقل يومياً لمسافات طويلة.
والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه هنا ليس فقط: لماذا ارتفعت الأسعار؟ وإنما كيف جرى احتساب هذه الأسعار، وما المعايير التي اعتمدتها اللجنة في تحديدها؟
فالجهات المعنية مطالبة بأن تقدم للمواطنين شرحاً واضحاً لآلية التسعير، بما في ذلك سعر شراء النفط أو المشتقات، وتكاليف النقل والتكرير والتوزيع، وسعر الصرف المعتمد، وحجم الدعم إن وجد، وهوامش الربح في حلقات التوزيع. فكلما غابت هذه التفاصيل، تحولت نشرة الأسعار من أداة اقتصادية مفهومة إلى قرار يلمسه المواطن في جيبه من دون أن يعرف أسبابه الحقيقية.
كما أن تكرار تعديل الأسعار خلال فترات زمنية قصيرة يطرح مشكلة أخرى تتعلق بالاستقرار الاقتصادي. فالتاجر والمزارع والصناعي وسائق الشاحنة لا يستطيعون بناء حساباتهم على أسعار تتغير باستمرار، بينما يحتاج الإنتاج والاستثمار والنقل إلى قدر من الوضوح والاستقرار يسمح بتقدير الكلفة مسبقاً.
وفي بلد يعاني أصلاً من ضعف القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، فإن أي زيادة في الطاقة تحتاج إلى مقاربة أوسع من مجرد الإعلان عن سعر جديد. المطلوب هو معرفة أثر القرار على المواطن والإنتاج والأسواق، وما إذا كانت هناك إجراءات موازية لمنع انتقال الزيادة كاملة إلى أسعار المواد الأساسية.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أهمية تنشيط الإنتاج وتحريك الاقتصاد، تبدو كلفة الطاقة واحدة من أكثر الملفات حساسية أمام تحقيق ذلك الهدف. فالإنتاج الزراعي والصناعي لا يمكن فصله عن المازوت والفيول والكهرباء والنقل، وأي ارتفاع كبير في هذه المدخلات ينعكس حكماً على القدرة التنافسية للمنتج السوري.
المشكلة إذاً ليست في مبدأ مراجعة أسعار المحروقات بحد ذاته، فأسعار الطاقة مرتبطة بعوامل دولية ومحلية متغيرة، وإنما في أن يدفع المواطن ثمن هذه التغييرات من دون أن يرى في المقابل تحسناً ملموساً في دخله أو الخدمات العامة أو استقرار الأسواق.
وبين نشرة وأخرى، يبقى السؤال الذي ينتظر السوريون إجابة واضحة عنه: هل يجري تسعير المحروقات وفق معادلة اقتصادية شفافة، أم أن المواطن سيبقى الطرف الأسهل لتحميله فاتورة ارتفاع تكاليف الطاقة؟