لكل السوريين

الدولة السورية الجديدة.. نصف المجتمع خارج غرف القرار؟

في سوريا التي تحاول إعادة بناء مؤسساتها بعد سقوط النظام السابق، لا يقتصر السؤال على من يتولى المناصب، ولا على الأسماء التي تتصدر المشهد السياسي، بل يمتد إلى من يشارك فعلياً في رسم ملامح الدولة الجديدة، ومن يبقى خارج الدوائر التي تُصنع فيها القرارات.

في هذا المشهد، يبرز حضور المرأة بوصفه أحد الاختبارات المهمة لمدى اتساع المرحلة الانتقالية وقدرتها على تمثيل المجتمع السوري بتنوعه. فالنساء اللواتي شاركن خلال سنوات الحرب في العمل الإنساني والتعليمي والطبي والإعلامي، وأسهمن في إعالة أسرهن وإدارة مبادرات مدنية، لا يظهرن بالقدر نفسه داخل مراكز السلطة السياسية والأمنية.

ولا يتعلق الأمر بغياب الكفاءات النسائية عن المجتمع السوري، بقدر ما يتعلق بالمساحة التي تتيحها المؤسسات الجديدة لهذه الكفاءات، وبالآليات التي يجري من خلالها اختيار المسؤولين وتوزيع المناصب وتحديد من يشارك في صياغة القرارات المصيرية.

حكومة بتمثيل محدود

عند إعلان تشكيل الحكومة السورية الجديدة في آذار 2025، برزت هند قبوات وزيرة للشؤون الاجتماعية والعمل، بوصفها المرأة الوحيدة في حكومة ضمت 23 وزيراً. ورغم أهمية وجود امرأة في التشكيلة الحكومية، فإن محدودية هذا الحضور فتحت باب التساؤلات بشأن معايير توزيع الحقائب الوزارية، ومدى انعكاسها على تمثيل النساء في مواقع السلطة التنفيذية.

ولا تتوقف المسألة عند عدد الوزيرات، بل تتصل أيضاً بطبيعة الحقائب التي تُسند إليهن. فحين يقتصر الحضور النسائي على الشؤون الاجتماعية والعمل، بينما تبقى وزارات أساسية مثل الدفاع والداخلية والخارجية والاقتصاد والطاقة خارج التمثيل النسائي، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت المرأة تُعامل بوصفها شريكاً في إدارة الدولة بمختلف قطاعاتها، أم يجري حصر حضورها في الملفات التي ترتبط تقليدياً بالرعاية والعمل الاجتماعي.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية هذه الملفات، التي تمس حياة السوريين بصورة مباشرة، وإنما يشير إلى ضرورة ألا تتحول طبيعة الحقيبة الوزارية إلى سقف يحدد المجال المتاح أمام المرأة في الحياة العامة.

البرلمان.. أرقام تكشف حجم الفجوة

في السلطة التشريعية، تبدو الصورة أكثر وضوحاً عند النظر إلى الأرقام. فوفق بيانات الاتحاد البرلماني الدولي المحدثة في تموز 2026، يضم مجلس الشعب الانتقالي 22 امرأة من أصل 206 أعضاء، أي نحو 10.7% من الأعضاء الذين يشغلون مقاعده وفق البيانات المنشورة.

وجاء جزء من هذا التمثيل عبر التعيين؛ إذ عيّن الرئيس أحمد الشرع 15 امرأة ضمن الأعضاء الذين اختارهم لاستكمال تشكيل المجلس، فيما وصلت سبع نساء عبر عملية الاختيار غير المباشر. وتكشف هذه الأرقام محدودية وصول النساء إلى الهيئة التشريعية، رغم الدور الذي يفترض أن يؤديه المجلس في مناقشة التشريعات ورسم الإطار القانوني للمرحلة الانتقالية.

وتكتسب المسألة أهمية إضافية لأن المجلس لا يقتصر دوره على إقرار القوانين، بل يرتبط أيضاً بمستقبل النظام السياسي والقواعد التي ستنظم الحياة العامة في البلاد. ومن هنا، فإن محدودية التمثيل النسائي تثير سؤالاً حول مدى مشاركة النساء في صياغة القواعد التي ستؤثر في حقوقهن وفرصهن ومكانتهن داخل المؤسسات.

ولا تكفي زيادة عدد النساء عبر التعيين وحدها لضمان مشاركة سياسية فاعلة، كما أن وجودهن في المجلس لا يعني تلقائياً امتلاكهن تأثيراً متساوياً في تحديد الأولويات التشريعية. فالمعيار الأهم هو القدرة على المشاركة في النقاش وصياغة القوانين ومراقبة الأداء العام، ضمن مؤسسة تتيح الاختلاف وتستوعب تنوع المجتمع.

من ساحات العمل إلى مؤسسات القرار

خلال سنوات الصراع، اضطلعت سوريات بأدوار واسعة في قطاعات الإغاثة والصحة والتعليم والعمل المدني، كما تحملت نساء كثيرات مسؤولية إعالة أسرهن في ظروف اقتصادية وأمنية قاسية. وفي مناطق مختلفة من البلاد، اكتسبت النساء خبرات في إدارة المبادرات المحلية والتعامل مع الاحتياجات الإنسانية والتوسط في النزاعات المجتمعية.

لكن الانتقال من أداء هذه الأدوار في المجتمع إلى المشاركة في صناعة القرار الرسمي لا يحدث بصورة تلقائية. فهو يحتاج إلى مؤسسات تفتح أبوابها أمام الكفاءات، ومعايير اختيار واضحة، وفرص عادلة للوصول إلى المناصب، فضلاً عن بيئة تسمح للنساء بالعمل والمشاركة من دون تمييز أو ضغوط اجتماعية أو مخاوف أمنية.

وتبرز هنا أيضاً أهمية المؤسسات الأمنية والعسكرية، التي تؤدي دوراً مركزياً في المرحلة الانتقالية. ويشير معهد جورجتاون للمرأة والسلام والأمن إلى غياب النساء عن وزارة الدفاع السورية الجديدة، في وقت تستمر فيه النقاشات بشأن مستقبل مشاركة النساء اللواتي اكتسبن خبرات في التشكيلات العسكرية والأمنية خلال سنوات النزاع.

ولا يمكن اختزال هذه القضية في تعيين نساء داخل الأجهزة الأمنية فحسب، بل تشمل أيضاً فرص العمل في المواقع المدنية والإدارية والقانونية المرتبطة بها، وإمكانية الاستفادة من الخبرات المتراكمة في مجالات التحقيق والتدريب والإدارة والحماية المجتمعية، وفق معايير مهنية واضحة.

التمثيل ليس صورة تذكارية

قد تتمكن المؤسسات من تقديم صورة أكثر تنوعاً عبر تعيين عدد من النساء في مواقع محددة، لكن التمثيل الحقيقي يتجاوز الصورة الرسمية إلى امتلاك القدرة على التأثير في السياسات والقرارات. فالمرأة التي تشغل منصباً من دون صلاحيات واضحة أو مشاركة فعلية في تحديد الأولويات لا تمثل بالضرورة تقدماً مؤسسياً بالقدر الذي يوحي به المنصب.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول النقاش حول مشاركة المرأة إلى مطالبة شكلية بتوزيع المناصب وفق الجنس وحده؛ فالكفاءة والنزاهة والخبرة معايير أساسية لا غنى عنها. غير أن الاحتكام إلى الكفاءة لا يكتمل ما لم تكن إجراءات الاختيار شفافة، والفرص متاحة بصورة عادلة، وألا تتحول الأعراف أو التصورات المسبقة إلى حواجز غير معلنة أمام النساء.

وتحتاج المرحلة الانتقالية إلى مراجعة آليات التعيين والاختيار، وتوسيع مشاركة النساء في اللجان التي تعد التشريعات والسياسات العامة، وإتاحة بيانات واضحة عن حضورهن في الوزارات والإدارات المحلية والهيئات المستقلة ومواقع الإدارة العليا. كما أن وضع أهداف قابلة للقياس لزيادة التمثيل، وربطها بإجراءات تنفيذية ومساءلة مؤسسية، يمكن أن يجعل المشاركة جزءاً من بناء الدولة، لا مجرد وعد سياسي.

أي دولة تُبنى من دون مشاركة واسعة؟

إن بناء المؤسسات بعد سنوات من النزاع لا يتوقف على إعادة تشغيل الإدارات أو ملء الشواغر الوظيفية، بل يتطلب أيضاً تحديد طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ومن يشارك في رسم السياسات التي ستؤثر في حياة المواطنين لعقود مقبلة.

وفي هذا السياق، لا يبدو حضور المرأة ملفاً جانبياً يمكن تأجيله إلى ما بعد استقرار المؤسسات؛ فالتشريعات المتعلقة بالعمل والتعليم والأسرة والحماية الاجتماعية والحقوق المدنية تمس النساء والرجال معاً، كما أن تجاهل خبرات شريحة واسعة من المجتمع يحد من قدرة المؤسسات على فهم احتياجاته المتنوعة.

ولا يعني ذلك أن مشاركة المرأة وحدها كافية لضمان نجاح المرحلة الانتقالية، لكنها تظل أحد المؤشرات المهمة على مدى انفتاح المؤسسات واستعدادها لاستيعاب المجتمع بكل مكوناته. وبين الخطاب الذي يتحدث عن دولة جديدة والواقع الذي تكشفه أرقام التمثيل، تبقى المسافة قائمة، ولا يمكن ردمها بالتصريحات وحدها.

فالسؤال الذي يواجه المؤسسات السورية اليوم ليس ما إذا كانت المرأة حاضرة في بعض المناصب، بل ما إذا كان حضورها سيتحول إلى مشاركة فعلية في صناعة القرار، أم سيظل محدوداً في مؤسسات يُفترض أنها تمثل السوريين جميعاً.

- Advertisement -

- Advertisement -