تواجه الأسواق السورية تحديات متزايدة مع تقلبات سعر صرف الدولار مقابل الليرة، في وقت تتسع فيه الفجوة بين دخول الأسر وتكاليف المعيشة، وتتحول أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية إلى عبء يومي يضغط على العائلات، ولا سيما ذوي الدخل المحدود. وبين ارتفاع تكاليف النقل والاستيراد والإنتاج، وتفاوت الأسعار بين المتاجر والمناطق، تتزايد التساؤلات حول قدرة الإجراءات النقدية والرقابية على كبح الغلاء، وضمان انعكاس أي تحسن في سعر الصرف على حياة المواطنين.
وخلال الأيام الأخيرة، عادت أسعار المواد التموينية إلى الواجهة مع تقارير محلية تحدثت عن زيادات تراوحت بين 20 و30 بالمئة في عدد من السلع، بينها السكر والزيوت النباتية والأرز والبقوليات والشاي والقهوة. ويأتي ذلك بالتزامن مع شكاوى من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يدفع الأسر إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتقليص مشترياتها لتأمين الاحتياجات الأكثر إلحاحاً.
وبحسب تقرير نشرته وكالة أنباء هاوار في 17 تشرين الأول الجاري، طالت الزيادات طيفاً واسعاً من المواد التموينية، في مؤشر على أن الضغوط لا تقتصر على سلعة بعينها، بل تمتد إلى مكونات أساسية في سلة الاستهلاك اليومي. المصدر: وكالة هاوار – ارتفاع أسعار المواد التموينية
سعر الصرف ليس العامل الوحيد
يرتبط الدولار بتسعير جزء مهم من السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، لكن اختزال الغلاء في حركة سعر الصرف وحدها لا يقدم تفسيراً كاملاً لما تشهده الأسواق. فتكاليف الشحن والنقل والمحروقات والتخزين والتمويل، إلى جانب توافر المواد الأولية وحجم المنافسة بين التجار، كلها عوامل تؤثر في السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
وتزداد هذه العوامل تأثيراً في اقتصاد يعتمد على استيراد نسبة من احتياجاته، ويواجه تحديات في الإنتاج المحلي والبنية التحتية وسلاسل التوريد. كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة ينعكس على تشغيل المنشآت الصناعية والزراعية، ونقل المنتجات من مناطق الإنتاج إلى أسواق الاستهلاك، ما يخلق موجات متتالية من زيادة التكاليف حتى في السلع المنتجة محلياً.
وفي أيلول الماضي، ربطت وزارة الطاقة تعديل أسعار المشتقات النفطية بارتفاع كلفة تأمينها عالمياً ودخول مصفاة بانياس في أعمال صيانة شاملة، الأمر الذي زاد الحاجة مؤقتاً إلى استيراد المنتجات النفطية الجاهزة. ويبرز هذا المثال مدى ارتباط كلفة الوقود بقطاعات تتجاوز النقل المباشر، لتشمل الإنتاج والتوزيع والخدمات. المصدر: سانا – ارتفاع أسعار المشتقات النفطية
تحسن الليرة لا يعني انخفاض الأسعار تلقائياً
تظهر البيانات الاقتصادية أن تحسن سعر الصرف لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع فوري في أسعار السلع. فقد أشار المركز السوري لبحوث السياسات، في نشرته الشهرية لأسعار المستهلك عن تموز 2026، إلى انخفاض الرقم القياسي للأسعار بنسبة 1.9 بالمئة مقارنة بحزيران، في حين بقي أعلى بنسبة 24.8 بالمئة مقارنة بتموز 2025.
وسجلت النشرة تحسناً في قيمة الليرة في السوق الموازية خلال تموز، لكن ذلك لم ينهِ التفاوت السعري بين المحافظات، ولا سيما في قطاعات النقل والسكن والطاقة. وتوضح هذه المؤشرات أن حركة الأسعار تتأثر بعوامل متعددة، وأن انخفاض المؤشر في شهر واحد لا يكفي لإثبات تحسن مستدام في القدرة الشرائية أو تراجع الضغوط المعيشية. المصدر: المركز السوري لبحوث السياسات – نشرة تموز 2026
وتبرز هنا مشكلة تفاوت الأسعار بين متجر وآخر، وأحياناً بين منطقتين متقاربتين، من دون أن يجد المستهلك دائماً تفسيراً واضحاً للفروق. فبعض التجار قد يسعّرون بضائعهم وفق كلفة استبدال المخزون بأسعار جديدة، أو تحسباً لتراجع إضافي في قيمة العملة، بينما قد يستمر آخرون في اعتماد كلف سابقة. لكن غياب الفواتير الواضحة والتسعير المعلن والرقابة الفعالة يجعل من الصعب التمييز بين الزيادة المبررة بالكلفة والمبالغة التي تستغل اضطراب السوق.
ولا يعني ذلك أن كل ارتفاع غير مبرر، بل إن تحديد أسبابه يتطلب بيانات عن أسعار الاستيراد والجملة والنقل وهوامش الربح، بدلاً من الاكتفاء بتبادل الاتهامات بين التجار والجهات الرقابية.
الرقابة وحدها لا تكفي
تحتاج معالجة اضطراب الأسعار إلى سياسة متكاملة تبدأ بتعزيز استقرار السوق النقدية، وتوفير القطع الأجنبي للعمليات التجارية المشروعة، وتحسين كفاءة الاستيراد والإجراءات المصرفية، بالتوازي مع مراقبة الفواتير ومصادر السلع والإعلان عن الأسعار ومحاسبة المخالفين وفق القوانين النافذة.
وفي هذا السياق، أعلن مصرف سوريا المركزي في تشرين الأول بدء إجراءات قانونية بحق ممارسي أنشطة الصرافة والحوالات المالية من دون ترخيص، إلى جانب جولات رقابية مشتركة مع وزارة الداخلية. وتمثل هذه الخطوات جزءاً من تنظيم سوق الصرف، لكن أثرها على أسعار السلع سيظل مرتبطاً بمدى قدرتها على تعزيز الشفافية وتقليص الفجوات بين الأسعار الرسمية والموازية وتسهيل المعاملات التجارية النظامية. المصدر: مصرف سوريا المركزي – البيانات الرسمية
كذلك، يتطلب الحد من الضغوط المعيشية دعم الإنتاج الزراعي والصناعي، وتخفيف تكاليف النقل والطاقة، وتحسين وصول المنتج المحلي إلى الأسواق، بما يقلل الاعتماد على السلع المستوردة حيثما أمكن. ولا يقل أهمية عن ذلك انتظام دفع الأجور وتحسين قدرتها على مواكبة تكاليف المعيشة، لأن استقرار الأسعار يفقد جزءاً كبيراً من أثره إذا بقي دخل الأسرة عاجزاً عن تغطية احتياجاتها الأساسية.
المواطن في مواجهة السوق
في المحصلة، لا تُقاس فاعلية السياسات الاقتصادية بمجرد تراجع الدولار أو صدور قرارات لضبط الأسعار، بل بمدى انعكاسها على كلفة الغذاء والنقل والطاقة، وعلى قدرة الأسرة على شراء احتياجاتها من دون الاستدانة أو الاستغناء عن سلع ضرورية.
وتبقى المعادلة الأكثر إلحاحاً أمام الجهات المعنية هي الانتقال من إدارة تقلبات السوق بعد وقوعها إلى معالجة أسبابها، عبر بيانات سعرية منتظمة وشفافة، ورقابة قابلة للتحقق، وسياسات تدعم الإنتاج والدخل معاً. فاستقرار العملة هدف مهم، لكنه لا يتحول إلى تحسن معيشي حقيقي ما لم يشعر المواطن بأن دخله بات يكفي أكثر، وأن الأسعار تنخفض عندما تتراجع تكاليفها، لا أن تبقى الزيادات أسرع من أي تحسن اقتصادي.