لطفي توفيق
كشفت أحداث الأشهر الأخيرة في اليمن مجموعة من الأزمات التي تعصف فيه، من بينها أزمة التنسيق بين القوى الفاعلة على الساحة اليمنية، إذ شهدت مناطق استراتيجية في البلاد توتراً بين قوى عربية يفترض أن هدفها الحفاظ على وحدة الأراضي اليمنية، وتبعتها تصريحات متناقضة واستفزازية، وإلغاء اتفاقيات قائمة بإجراءات أحادية الجانب.
ومنها أزمة تضارب بين مصالح الحكومة اليمنية التي تدعمها الرياض، ومصالح الحوثيين الذين تدعمهم طهران، والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي تدعمه أبوظبي.
ولم يعد اليمن مجرد ساحة اشتباكات محلية فقط، بل تحوّل إلى مختبر يكشف التفاوت بين قرار يعتمد على الفكر المؤسسي والقراءة المعمقة، وآخر يرتبط بحسابات سياسية تحولت إلى قرارات يغلب عليها الطابع المصلحي لهذا الطرف آو ذاك، وظهرت مراكز نفوذ متعددة في اليمن الذي تحول إلى ساحة تتنازع فيها الفصائل المحلية بدعم خارجي متباين حسب تباين مصالح القوى الفاعلة على أرضه، فتآكلت الدولة واقتربت مؤسساتها من حافة الانهيار.
ورغم دعوة دول خليجية إلى خفض التصعيد في اليمن والعودة إلى الحوار، وتحذير الاتحاد الأوروبي من أن تدهور الوضع في محافظات مثل حضرموت والمهرة قد يهدد استقرار منطقة الخليج برمتها، والضغوط الدولية لدفع الأطراف نحو خفض التوتر، لا يبدو أن هذه الضغوط والتحذيرات قد تنقذ اليمن أزماته التي قد تتسبب بتقسيمه إلى دولتين أو أكثر، حسب مصالح الدول المهيمنة على القرار اليمني.
أهداف متباينة
تنظر السعودية إلى اليمن كجزء من عمق أمنها القومي، وتسعى إلى وجود يمن موحد وضعيف تمكن إدارته بما لا يشكل تهديداً حدودياً عليها، ولا يتحول إلى مركز نفوذ للاعبين منافسين لها.
وتخشى أن يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الإضرار بمصالحها التاريخية في اليمن.
ولذلك تدعم الرياض مجلس القيادة الرئاسي في عدن، لمواجهة تهديدات الصواريخ والزوارق الحوثية التي تستهدفها أو تستهدف ممرات النفط الدولية.
بينما تسعى الإمارات إلى توسيع نفوذها العسكري في المناطق الجنوبية والشرقية من اليمن، والسيطرة على الموانئ والحقول النفطية والمواقع الاستراتيجية، وتثبيت دورها في باب المندب، وتحجيم النفوذ الحوثي والإيراني فيه من خلال قوة محلية قادرة على تأمين ذلك، وتعير المجلس الانتقالي الجنوبي هذه القوة، إضافة إلى أنه أداة توازن إماراتية أمام النفوذ السعودي في اليمن.
ولذلك تدعمه بالوسائل العسكرية واللوجستية ليتمكن من القيام يتلك المهام.
وبدورها، تسعى طهران إلى توسيع نفوذها الإقليمي وتأمين نفوذ استراتيجي آمن قرب حدود السعودية كوسيلة لإرباك خصومها الإقليميين، واستثمار الصراع اليمني لرفع كلفة تدخل القوى الإقليمية والغربية في الشرق الأوسط، دون تورط عسكري مباشر، ولذلك تدعم جماعة الحوثيين وتزودهم بالقدرات الصاروخية مما يجعلهم قوة فاعلة وقادرة على تنفيذ أجندتها في المنطقة.
مرحلة مصيرية
قال رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن إن الجنوب “يقف أمام مرحلة مصيرية ووجودية فرضتها معادلات الواقع السياسي والعسكري”.
وأوضح عيدروس الزبيدي أن استعادة السيطرة على وادي حضرموت، وهي أول عملية تنفذ ضمن إطار قيادة جنوبية موحدة منذ أكثر من عقد ونصف، ستنعكس إيجابياً على استقرار الجنوب، وعلى الأمن البحري في الممرات الدولية الحساسة، ما يمنح التحرك الجنوبي بعداً يتجاوز الإطار المحلي إلى حسابات الأمن الإقليمي والدولي.
وشدد على أن “المجلس الانتقالي الجنوبي تحمل مسؤولية إدارة المرحلة الحساسة بكفاءة واقتدار، وفقا للتفويض الشعبي الذي منح لقيادته”، ودعا مختلف شرائح المجتمع الجنوبي إلى “الوقوف إلى جانب المجلس بما يعزز وحدة الصف الجنوبي ويقوي الجبهة الداخلية للحفاظ على الإنجازات التي تحققت”.
واعتبر أن “المرحلة القادمة ستكون مرحلة عمل مكثف، لبناء مؤسسات دولة الجنوب العربي القادمة وفق أسس حديثة تضمن الكفاءة والشفافية والمشاركة المجتمعية”، وأشار إلى أن “دولة الجنوب العربي القادمة، ستكون دولة عادلة وحاضنة لجميع أبناء الجنوب دون استثناء، وقائمة على مبدأ الشراكة الوطنية، وتعمل على تعزيز الأمن والاستقرار والتعايش الإيجابي مع دول الجوار، بما يجعلها جزءاً فاعلاً في المنظومة الإقليمية وصمام أمان في محيطها”.
محاولة أخيرة
بعدما أعلن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي بدء مسار انتقالي يفضي إلى استقلال الجنوب، طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، من المملكة العربية السعودية الدعوة إلى “مؤتمر جنوبي شامل” لبحث الوضع في بلاده.
ونقلت وكالة سبأ للأنباء عن مصدر مسؤول في الرئاسة اليمنية أن “الرئاسة استجابت لمناشدة المكونات والشخصيات الجنوبية، ووجّهت طلباُ إلى المملكة السعودية لاستضافة ورعاية مؤتمر جنوبي شامل في الرياض”.
وأعرب المجلس الانتقالي الجنوبي عن أمله أن يضم المؤتمر المرتقب جميع المكونات والقوى والشخصيات الجنوبية دون استثناء.
وشدد على عدالة القضية الجنوبية ومركزيتها، ورفض أي معالجات انفرادية أو إقصائية، وأشار إلى أن “حل القضية يجب أن يكون نتاج إرادة جماعية”.
ورحبت السعودية باستضافة مؤتمر يجمع كافة المكونات اليمنية للجلوس على طاولة الحوار لبحث الحلول العادلة للقضية الجنوبية، ودعت “كافة المكونات اليمنية إلى المشاركة الفعالة في المؤتمر، لإيجاد تصور شامل للحلول العادلة للقضية الجنوبية، بما يلبي تطلعات الجنوبيين المشروعة”. حسب بيان وزارة الخارجية السعودية.
جذور المشكلة
لم يكن اليمن دولة واحدة بالمعنى المعاصر للدولة، حيث بقي الشمال اليمني تحت الاحتلال العثماني حتى هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى عام 1918، فانسحبت منه، وأعلن الإمام يحيى حميد الدين قيام المملكة المتوكلية اليمنية.
بينما استمر الجنوب، تحت الاستعمار البريطاني حتى عام 1967، حيث نال استقلاله بعد كفاح مسلح، وأُعلن قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي تبنت النهج الاشتراكي، وأصبحت حليفاً للاتحاد السوفياتي آنذاك.
وفي العام التالي، شهد جنوب اليمن حرباً أهلية قضت على جزء كبير من قياداته السياسية، وتزامنت مع بداية تفكك الاتحاد السوفياتي الداعم الرئيسي لها، فتسارعت الخطوات نحو الوحدة بين شمال اليمن وجنوبه، إلى أن تمت في شهر أيار عام 1990، ورفع علم الجمهورية اليمنية في عدن، وأُعلن عن دستور جديد لليمن الموحد وتم الاستفتاء عليه عام 1991.
ولكن هذه الوحدة سرعان ما واجهت اختباراً قاسياً، حيث اندلعت حرب أهلية بين شطريه في أيار عام 1994، أججها خلاف بين قادة الشطرين حول تقاسم السلطة، وانتهت بانتصار القوات الشمالية وهزيمة الجنوبيين.
ولكن هذا النصر لم ينهِ الخلاف بين الجانبين، حيث يرى الجنوبيون أن الوحدة السلمية انتهت في ذلك اليوم وحل محلها احتلال عسكري.
وما زالوا يعتقدون أن عودة دولتهم المستقلة حق تاريخي يعكس إرادة شعبية، ويضمن أمن المنطقة الجغرافية الحيوية.