لكل السوريين

ضعف الرياضة النسائية في درعا بين القيود الاجتماعية وغياب الدعم

درعا/ رجاء مختار

تعاني الرياضة النسائية في محافظة درعا من ضعف واضح ومتراكم جعلها بعيدة عن أي تطور حقيقي يمكن أن يوازي طموحات الفتيات أو يلبي احتياجاتهن البدنية والاجتماعية.

هذا الضعف لا يرتبط بعامل واحد فقط، بل هو نتيجة تداخل ظروف اقتصادية صعبة، ونقص في البنية التحتية الرياضية، إضافة إلى قيود اجتماعية وثقافية لا تزال تنظر إلى ممارسة المرأة للرياضة بعين التحفظ أو الرفض أحياناً. وبين الرغبة الفردية والإمكانات المحدودة، تقف الرياضة النسائية في درعا عند مفترق طرق لا يبدو أنه سيتغير قريباً دون تدخل جدي.

الرياضة النسائية في درعا لم تكن يوماً أولوية، حتى في الفترات التي سبقت الحرب، لكنها اليوم تعيش حالة شبه شلل. فمعظم الأندية الرياضية تركز على الفرق الرجالية، بينما تغيب الفرق النسائية أو تقتصر على نشاطات موسمية وغير منتظمة.

لا توجد برامج تدريب مستمرة، ولا خطط واضحة لاكتشاف المواهب أو تطويرها، كما أن البطولات المحلية الخاصة بالفتيات تكاد تكون معدومة، ما يحرم اللاعبات من فرص المنافسة والاحتكاك واكتساب الخبرة.

سارة، شابة في أواخر العشرينات من عمرها، كانت تحلم بأن تصبح لاعبة كرة قدم منذ سنوات دراستها الإعدادية. تقول سارة: «كنت ألعب مع إخوتي في الحي، وكنت أفضلهم أحياناً، لكن عندما كبرت لم أجد أي مكان أستطيع أن أتابع فيه هذا الشغف. لا يوجد فريق نسائي حقيقي، ولا ملعب مخصص، وحتى فكرة التدريب كانت تُقابل بالاستغراب».

تضيف سارة أن الحلم الذي بدا بسيطاً تحوّل مع الوقت إلى ذكرى مؤلمة، بعدما أدركت أن البيئة المحيطة لا تشجّع الفتيات على الاستمرار في الرياضة.

ولا يقل الضغط الاجتماعي تأثيراً عن غياب الدعم الرسمي. فالكثير من الفتيات يواجهن اعتراضاً من العائلة أو المجتمع عند إبداء رغبتهن في ممارسة الرياضة، خاصة الألعاب الجماعية التي تتطلب ظهوراً علنياً وتدريباً منتظماً. ريما، وهي فتاة من ريف درعا، تروي تجربتها قائلة: «عندما طلبت من أهلي أن أسجّل في نادٍ رياضي، واجهت رفضاً قاطعاً. كانوا يخشون كلام الناس أكثر من أي شيء آخر.

واعتبروا أن الرياضة قد تؤثر على سمعتي أو مستقبلي». هذا النوع من الخوف الاجتماعي يجعل الكثير من الفتيات يتراجعن عن أحلامهن قبل أن تبدأ.

من ناحية أخرى، يشكل نقص المنشآت الرياضية عقبة كبيرة أمام تطور الرياضة النسائية. الملاعب الموجودة في درعا غالباً ما تكون متهالكة أو غير مجهزة، كما أنها مخصصة في معظم الأوقات للفرق الرجالية. الصالات الرياضية شبه معدومة، وإن وُجدت فهي تفتقر إلى الخصوصية والتجهيزات المناسبة للفتيات. هذا الواقع يدفع بعض الشابات إلى ممارسة الرياضة بشكل فردي في المنازل أو في أوقات مبكرة جداً من الصباح لتجنب الاحتكاك أو الانتقاد.

أسماء، طالبة جامعية تبلغ من العمر 21 عاماً، كانت تحب كرة السلة وتحاول التدرب مع مجموعة من صديقاتها في ملعب مدرسي قديم. تقول: «كنا نجتمع مرتين في الأسبوع، لكن لم يكن هناك مدرب أو برنامج واضح. كنا نلعب فقط لأننا نحب اللعبة. مع الوقت شعرنا بالإحباط، لأننا لم نرَ أي تطور أو فرصة للمشاركة في بطولات، فتوقفنا». تجربة أسماء تعكس واقعاً شائعاً تعيشه الكثير من الفتيات اللواتي يفقدن الحماس بسبب غياب التوجيه والاستمرارية.

ورغم الصورة القاتمة، تظهر بين الحين والآخر مبادرات فردية تعكس إصرار بعض النساء على كسر هذا الجمود. ريم، شابة في منتصف العشرينات، قررت أن تبدأ بممارسة الجري للحفاظ على صحتها النفسية والجسدية. تقول ريم: «بدأت بالجري وحدي، ثم انضمت إليّ صديقتان، وبعد فترة أصبحنا مجموعة صغيرة من الفتيات. لم يكن لدينا مدرب أو دعم، لكننا شعرنا أن الرياضة تمنحنا طاقة إيجابية». ومع مرور الوقت، شاركت هذه المجموعة في فعاليات بسيطة نظمتها مبادرات شبابية، ما أعطاهن شعوراً بالإنجاز والانتماء.

غياب التغطية الإعلامية يشكل عاملاً إضافياً في إضعاف الرياضة النسائية. فحتى النشاطات المحدودة التي تُقام لا تحظى بالاهتمام الكافي، ولا يتم تسليط الضوء على قصص الفتيات أو إنجازاتهن. هذا التهميش الإعلامي يعمّق الشعور بأن الرياضة النسائية أمر ثانوي، ولا يستحق الاستثمار أو المتابعة، سواء من قبل الجهات الرسمية أو المجتمع.

خبراء اجتماعيون يرون أن ضعف الرياضة النسائية في درعا لا يمكن فصله عن واقع المرأة عموماً. فالرياضة ليست مجرد نشاط ترفيهي، بل وسيلة لبناء الثقة بالنفس، وتعزيز الصحة، وخلق مساحة آمنة للتعبير والمشاركة. ويؤكد هؤلاء أن دعم الرياضة النسائية يسهم في تمكين المرأة اجتماعياً ونفسياً، ويعكس صورة أكثر توازناً للمجتمع ككل.

تحسين واقع الرياضة النسائية في درعا يتطلب خطوات عملية تبدأ بتوفير بيئة آمنة ومناسبة للفتيات، تشمل ملاعب مجهزة، ومدربات مؤهلات، وبرامج تدريب منتظمة. كما يحتاج إلى حملات توعية تستهدف العائلات والمجتمع لتغيير النظرة السلبية تجاه ممارسة المرأة للرياضة. إضافة إلى ذلك، فإن تشجيع الإعلام المحلي على تغطية النشاطات النسائية يمكن أن يلعب دوراً مهماً في كسر الصورة النمطية السائدة.

ويعكس ضعف الرياضة النسائية في درعا حجم التحديات التي تواجه الفتيات في سعيهن لتحقيق ذواتهن خارج الأطر التقليدية. وبين أحلام مؤجلة وواقع صعب، تبقى الرياضة بالنسبة لكثير من النساء مساحة مفقودة كان يمكن أن تكون باباً للصحة، والثقة، والأمل. إن منح الفتيات فرصة حقيقية لممارسة الرياضة ليس ترفاً، بل حقاً أساسياً وخطوة ضرورية نحو مجتمع أكثر عدالة وتوازناً.

- Advertisement -

- Advertisement -