لكل السوريين

تحت لهيب الشمس.. عمال حماة بين مطرقة الفقر وسندان العمل الشاق

حماة/ جمانة الخالد

بأطراف مدينة حماة، حيث ترتفع درجة الحرارة لتلامس الخمسين مئوية، يتحول مكان العمل إلى جحيم لا يطاق. هنا، بين أكوام الحديد المتعرجة والأتربة المتصاعدة، يصارع عشرات العمال من أجل كسب رزق يوم لا يكاد يكفي لشراء رغيف خبز.

أبو علي (50 عاماً) يقف تحت الشمس الحارقة، وجهه المتجعد يحكي قصة معاناة عمرها ثلاثة عقود في مهنة تكسير الحجارة. يقول الرجل بينما يمسح العرق عن جبينه: “أبدأ العمل من الخامسة صباحاً وأستمر حتى المغرب. أرباحي اليومي لا يتجاوز ثمن كيس من الأدوية لزوجتي المريضة”. يعاني أبو علي من آلام مبرحة في الظهر لكنه لا يستطيع التوقف، فالعائلة المكونة من ثمانية أفراد تعتمد عليه بشكل كامل.

على بعد أمتار قليلة، يعمل أحمد (17 عاماً) في نقل أكياس الإسمنت التي تفوق وزنه أحياناً. يقول الشاب النحيل: “تركت المدرسة منذ ثلاث سنوات لأن والدي لم يعد قادراً على العمل. أحلم أن أصبح مهندساً لكن قاسية”. يحمل أحمد على كتفيه أكياساً تزن 50 كيلوغراماً مقابل أجر لا يتجاوز 7000 ليرة سورية للكيس الواحد.

اللافت في سوق العمل بحماة هو تزايد أعداد الأطفال العاملين. فمحمد (14 عاماً) يعمل في لحام الحديد بدون قناع واقٍ أو معدات حماية. يقول الصبي الذي ينتمي إلى عائلة نازحة: “أعمل منذ سن الثانية عشرة. في البداية كنت أخاف من الشرر، لكني اعتدت على ذلك”. لا يعلم محمد أن استنشاق أبخرة اللحام قد يؤدي إلى أمراض رئوية مزمنة.

أما أم حسن (45 عاماً) فهي مثال على نساء حماة اللواتي اضطررن للعمل في ظروف قاسية. تعمل المرأة في جمع الحديد المستعمل من الشوارع والمكبات. تقول بينما تدفع عربة خشبية محملة بالخردة: “أعمل منذ الفجر حتى المساء. أربحي لا يتجاوز 30 ألف ليرة في اليوم، لكني مضطرة للعمل لأن زوجي عاجز بسبب إصابة في الظهر”.

المأساة الأكبر تكمن في غياب أبسط وسائل الحماية والأمان. فمعظم العمال لا يملكون أحذية واقية أو قفازات أو كمامات. الدكتور إبراهيم الحسين، الطبيب في مركز حماة الصحي، يقول: “نستقبل يومياً حالات إصابات عمل وجروح وحروق. الكثير من العمال يعانون من أمراض تنفسية بسبب استنشاق الأتربة والأبخرة السامة”.

رغم هذه الظروف القاسية، يرفض العمال الاستسلام. فالشيخ محمود (60 عاماً)، الذي يعمل في النجارة منذ أربعين عاماً، يقول: “هذه مهنتي وهذه حياتي. أعلم أن الظروف صعبة لكننا نفضل العمل على التسول”. يعمل الشيخ محمود 12 ساعة يومياً وينتج تحفاً خشبية رائعة تباع بأسعار باهظة في المحلات الفاخرة، بينما لا يحصل هو إلا على جزء بسيط من ثمنها.

قصة أخرى للصمود ترويها فاطمة (35 عاماً)، التي تعمل في صناعة السجاد اليدوي. تقول المرأة التي تعيل ثلاثة أطفال: “أعمل من المنزل لأجمع بين العمل ورعاية أطفالي. أرباحي قليلة لكنها تساعد في شراء الحليب والدفاتر المدرسية”.

في مكتب اتحاد العمال بحماة، يحاول المسؤولون تقديم بعض الدعم. يقول رئيس الاتحاد: “نحاول توفير تأمين صحي محدث للعمال المسجلين، لكن المشكلة أن معظم العمال يعملون في القطاع غير النظامي”. يشرح أن الاتحاد يستطيع تقديم خدمات طبية ومالية محدودة للعمال المسجلين فقط، بينما يبقى آلاف العاملين في القطاع غير الرسمي بدون أي حماية.

أمل الوحيد للكثير من عمال حماة يكمن في منظمات المجتمع المدني. إحدى هذه المنظمات تدير مركزاً لتأهيل العمال وتدريبهم على مهن جديدة. تقول مسئولة المركز: “نقدم دورات في اللحام الكهربائي والنجارة والحرف اليدوية. نحاول تمكين العمال من تطوير مهاراتهم للحصول على أجور أفضل”.

تبقى معاناة عمال حماة جزءاً من مأساة إنسانية أكبر تعيشها سوريا. فتح لهيب الشمس وفي وجه الرياح المحملة بالأتربة، يستمر الرجال والنساء والأطفال في العمل، كل منهم يحمل قصة معاناة مختلفة، لكنهم يجتمعون في رغبة واحدة: البقاء على قيد الحياة في بلد لم يعد فيه مكان للضعفاء.

- Advertisement -

- Advertisement -