لكل السوريين

الجفاف يضرب ريف اللاذقية… أزمة وطنية تهدد الزراعة والأمن المائي في سوريا

تعيش قرى وبلدات ريف اللاذقية أزمة جفاف حادة غير مسبوقة منذ عقود، تحولت معها مشكلة المياه من معاناة محلية إلى قضية وطنية شاملة تمس الأمن المائي والغذائي لسوريا بأكملها.

فقد فاقمت الاعتداءات التي طالت مصادر المياه من حدة الأزمة، ودفعت السكان إلى الاعتماد على الصهاريج لتأمين احتياجاتهم اليومية من مياه الشرب، وسط صعوبات مضاعفة ناجمة عن أزمة الوقود التي تشهدها المحافظة، إذ يضطر أصحاب الصهاريج إلى شراء الوقود بأسعار مرتفعة من السوق السوداء، ما ينعكس مباشرة على ارتفاع أسعار المياه ويزيد الأعباء على المواطنين الذين يرزحون تحت وطأة ظروف اقتصادية قاسية.

موجة الجفاف التي تضرب ريف اللاذقية أدت إلى انخفاض غير مسبوق في معدلات الهطول المطري، حيث لم تتجاوز نسبة الأمطار هذا العام 40 بالمئة من المعدل الطبيعي، ما تسبب بتراجع حاد في مخزون السدود والينابيع والآبار الجوفية.

ونتيجة لذلك، تعرضت الزراعة في المنطقة إلى أضرار واسعة، خصوصاً في المحاصيل الرئيسية مثل الزيتون والحمضيات والفواكه المثمرة، التي تعتمد بشكل أساسي على الري والمياه الجوفية.

كما انعكس هذا التراجع على تأمين مياه الشرب للسكان في القرى والبلدات، إذ انخفض منسوب المياه في الآبار والينابيع بشكل كبير، ما تسبب بانقطاعات متكررة للمياه في معظم المناطق الريفية.

ورغم الجهود التي تبذلها الجهات المعنية للتخفيف من آثار الأزمة، عبر وضع خطط لترشيد استهلاك المياه وتنظيم حملات لحفر وتأهيل الآبار والقنوات المائية، إلا أن تلك الخطوات لا تزال محدودة التأثير مقارنة بحجم الكارثة المائية.

فقد أعلنت الجهات المحلية عن خطة استجابة طارئة تهدف إلى زيادة أعماق الآبار، واستغلال ما تبقى من الينابيع الطبيعية، إلى جانب حملات توعية لترشيد استخدام المياه والحفاظ على الموارد المائية المتبقية، غير أن واقع الحال يشير إلى أن ما تم إنجازه لا يزال دون المستوى المطلوب، في ظل استمرار تراجع الموارد وتزايد الطلب.

ولم تقتصر تداعيات الجفاف على الزراعة فحسب، بل امتدت لتطال قطاع الثروة الحيوانية في ريف اللاذقية، إذ دفعت موجة الجفاف عدداً كبيراً من مربي المواشي إلى البحث عن موارد جديدة للمياه، في وقت تشهد فيه الأسواق ارتفاعاً حاداً في أسعار الأعلاف، مقابل انخفاض أسعار المواشي، ما جعل المهنة شبه خاسرة.

وقد شهدت المراعي الطبيعية هذا العام تراجعاً حاداً بسبب قلة الأمطار وامتداد الحرائق التي التهمت مساحات واسعة من الأراضي والغابات خلال العامين الماضيين، الأمر الذي فاقم من أزمة المربين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين لشراء الأعلاف بأسعار خيالية، حيث ارتفع سعر الطن الواحد من الشعير إلى ما بين ستة وثمانية ملايين ليرة سورية، والنخالة إلى أربعة أو ستة ملايين، بينما وصل سعر الطن الواحد من الخبز اليابس المستخدم كعلف إلى أرقام مماثلة، في ظل غياب شبه تام للدعم الحكومي.

المزارعون في ريف اللاذقية يواجهون اليوم واقعاً معقداً، إذ إن كلفة ضمان الأراضي الزراعية ارتفعت بشكل كبير، في الوقت الذي لم تقدم فيه الحكومة السورية الانتقالية أو السابقة أي دعم حقيقي لتعويض خسائرهم أو مساعدتهم في تجاوز أزمتي الجفاف وغلاء الأسعار.

هذه الظروف القاسية أدت إلى خسائر مادية فادحة لدى المزارعين، وأثرت بشكل مباشر على الأمن الغذائي المحلي الذي تعتمد عليه آلاف الأسر الريفية في معيشتها اليومية.

وتشكل الزراعة في محافظة اللاذقية عماد الاقتصاد الريفي ومصدر الدخل الرئيسي لعدد كبير من السكان، إلا أن العوامل المناخية القاسية التي ضربت المنطقة خلال السنوات الأخيرة، من موجات صقيع وجفاف طويل الأمد، أدت إلى نتائج كارثية على الإنتاج الزراعي.

ففي شهر شباط الماضي، تعرضت مساحات واسعة من محاصيل الحمضيات والزيتون والخضار لأضرار جسيمة بسبب موجة الصقيع غير المسبوقة، حيث فقد كثير من المزارعين أكثر من نصف إنتاجهم، وجاء الجفاف ليزيد من حجم الخسائر ويضاعف معاناتهم، ما أدى إلى تراجع الدخل الزراعي وتراكم الديون على المزارعين المقترضين من المصرف الزراعي التعاوني.

واستجابةً لهذه الظروف، وافق مجلس إدارة المصرف الزراعي مؤخراً على تأجيل سداد جزء كبير من الديون المستحقة على المزارعين المتضررين في محافظة اللاذقية وريفها، بعد أن تجاوزت نسبة الأضرار المسجلة لديهم 60 بالمئة، في خطوة وصفت بأنها مساعدة مؤقتة لا تعالج جوهر المشكلة.

فالمزارعون يؤكدون أن التأجيل وحده لا يكفي، وأنهم بحاجة إلى دعم فعلي يشمل تأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، وإعادة تأهيل شبكات الري المتضررة، وتقديم تعويضات عادلة عن خسائرهم المتكررة جراء الظروف المناخية والاقتصادية الصعبة.

ويرى مزارعو اللاذقية أن ما يواجهونه من معاناة لا يقل عن معاناة نظرائهم في المحافظات الأخرى المتضررة من الجفاف، بل ربما يفوقها في بعض المناطق التي تضررت بشدة من الصقيع وانخفاض الهطولات المطرية.

وهم يشددون على أن مراعاة ظروفهم المعيشية والاقتصادية لم تعد مطلباً إنسانياً فحسب، بل ضرورة وطنية تتعلق بالأمن الغذائي واستدامة الإنتاج الزراعي في البلاد. فدعم الفلاحين اليوم يعني حماية سلة الغذاء السورية، والحفاظ على تماسك الريف الذي يشكل أحد أعمدة الصمود الوطني في وجه الأزمات المتلاحقة.

إن أزمة الجفاف في ريف اللاذقية لم تعد مجرد حدث طبيعي عابر، بل تحولت إلى أزمة وطنية سورية بكل المقاييس، تهدد استقرار الريف ومعيشة سكانه، وتضع الزراعة والثروة الحيوانية أمام خطر حقيقي.

إنها أزمة تستدعي تحركاً حكومياً عاجلاً وخططاً استراتيجية طويلة الأمد لمعالجة النقص في الموارد المائية، وتوفير دعم حقيقي للقطاع الزراعي، بما يضمن استمرار الحياة في الريف السوري وصون ما تبقى من مقدراته الطبيعية والاقتصادية.

- Advertisement -

- Advertisement -