لكل السوريين

الصحفيات السوريات بين صعوبات المهنة وضغوط المجتمع

تقرير/ جمانة الخالد

في غرف الأخبار داخل الصحف والقنوات التلفزيونية في سوريا، قد يبدو المشهد عاديّاً للوهلة الأولى، لكن خلف الكاميرات تكشف الصحفية السورية عن معركة مزدوجة، مواجهة مع متطلبات المهنة الصعبة، وأخرى مع التوقعات الاجتماعية التي ما تزال تحكم حضورها بمعايير تقليدية. ومع أن مشاركة النساء في الإعلام لم تعد شيئاً استثنائياً، إلا أن الصحفيات لا يزلن يواجهن تحديات كبيرة، حيث يُطلب منهن إثبات جداراتهن أكثر من الرجال، ليس لأن قدراتهن محل شك، بل لأن بيئة العمل ما تزال مصمَّمة وفق نمط ذكوري، من ساعات العمل الطويلة إلى التغطيات الميدانية الخطرة، وصولاً إلى ثقافة مؤسساتية تعطي المرأة أدواراً ثانوية في مواقع القرار.

الصحفية آمنة الجلبي ترى أن الصحافة في سوريا ليست مجرد وظيفة، بل هي مجال متقلب ومجهد، والتحدي الأكبر بالنسبة لها هو محاولة الحفاظ على توازن شبه مستحيل بين مهامها المهنية ومسؤولياتها الأسرية، إذ يظل المجتمع يسأل المرأة عن بيتها قبل أن يقدر مهنيتها، وينظر إلى طموحها المهني أحياناً على أنه تهديد. وتضيف أن غياب السياسات الداعمة والآليات التنظيمية يجعل الصحفيات يواجهن إرهاقاً مستمراً دون أي حماية، وتتحول بيئة العمل إلى مساحة استنزاف أكثر من كونها منصة تمكين.

الصحفيات السوريات يواجهن تقييمات مزدوجة، بحسب الصحفية سلمى الحداد، التي تقول إن الكثيرات منهن، رغم كفاءتهن العالية، لا يصلن إلى مواقع القرار التحريري، إذ يُنظر إليهن غالباً كواجهة تمثيلية أكثر من كونه عنصر فاعل. ومع غياب الشفافية في الترقيات وتوزيع المهام، تتسع فجوة التفاوت بين الجهد المبذول والفرص المتاحة. الصحفية هالة مراد تؤكد أن التمييز في المؤسسات الإعلامية السورية غالباً ما يكون خفيّاً، لكنه ملموس في التهميش اليومي، تجاهل الترقيات، توزيع المهام، وحتى في تقييم الأداء، ويأتي أحياناً من بيئة العمل نفسها وليس فقط من الزملاء، حيث تمنح الترقيات للرجال بشكل أسرع، وتُبنى التقديرات أحياناً على القدرة على الاندماج في البيئة الذكورية أكثر من الأداء الفعلي.

على الرغم من الزيادة في حضور النساء، فإن هذا الحضور غالباً ما يظل شكلياً، إذ تُمنح الصحفية السورية أدواراً أمام الكاميرا أو في التغطية الميدانية، لكنها نادراً ما تشارك في اتخاذ القرارات أو رسم السياسات التحريرية. الصحفية نجلاء صالح تؤكد على ضرورة تبني سياسات واضحة لتعزيز العدالة المهنية، وإعادة النظر في آليات الترقيات والتكليف، واعتماد معايير شفافة تستند إلى الأداء الفعلي، مع تفعيل آليات المساءلة الداخلية، خاصة في حالات التمييز والتحرش المخفي، ليصبح الحضور النسائي حقيقياً وفاعلاً في مواقع صنع القرار.

تستمر الصحفيات السوريّات في مواجهة قضية التحرش في بيئات العمل الإعلامية، وغالباً ما تختار المرأة الصمت خوفاً من فقدان وظيفتها أو سمعتها. الصحفية رهف كمال تروي تجربتها حيث تعرضت للتحرش من مديرها وفقدت العديد من الميزات نتيجة رفضها التنازل عن كرامتها، مضطرة للسكوت بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، ومسؤوليات إعالة أسرتها في ظل سنوات الأزمة. الصحفية ليلى الدرويش تشير إلى أن التغطية الصحفية أحياناً ترتبط بتنازلات شخصية، وأن رفض الانخراط في علاقات غير مهنية قد يؤدي إلى الإقصاء من الاجتماعات وحرمان الصحفية من الفرص المهمة، مما يعكس نوعاً من التمييز غير المعلن داخل المؤسسات الإعلامية.

تؤكد الصحفية مها العبدالله أن الثورة الرقمية قلبت مهنة الصحافة رأساً على عقب، فمواكبة التغيرات أصبحت أمراً ضرورياً، لكن الكثير من الصحفيات في سوريا يواجهن فجوة تدريبية تؤثر على قدرتهن في المنافسة، وتعرضهن للتهميش في سوق إعلامي سريع التحول. ومع كل ذلك، تصر الصحفيات على البقاء في المهنة، لأن كل تحقيق أو تقرير يُنجز هو إثبات لقدرة المرأة على الصمود ومواجهة الصعوبات. فالصحفية السورية، رغم ساعات العمل الطويلة والخوف من التهميش، تبقى صامدة، لأنها تؤمن أن الإعلام يستحق الكفاح من أجل حريته، وأن التمكين لا يتحقق إلا ببيئة عمل تحترم المهنية وتوفر الفرص لتطوير القدرات دون المساس بالكرامة.

الصحفية سارة القاسم تلخص الواقع بأن الطريق أمام الصحفيات السوريّات مليء بالتحديات، من تمييز مهني إلى مضايقات وتحسس مباشر، ومع ذلك فإن حضورهن في الإعلام ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو إرادة على كسر القوالب النمطية. اليوم، الصحفية لا تكتفي بنقل الخبر، بل تعيشه وتدفع ثمنه مضاعفاً، مؤكدة أن المهنية لا جنس لها، وأن الصوت الصادق لا يُخمد بالخوف أو التهميش، وأن إعادة رسم بيئة العمل الإعلامي بما يضمن العدالة والحماية والفرص المتساوية أصبح ضرورة، ليكون الإعلام حرّاً وصوت كل مكوناته مسموعاً ومحترماً على قدم المساواة.

- Advertisement -

- Advertisement -