منذ إعلان قوات سوريا الديمقراطية مدعومة بقوات التحالف الدولي سقوط آخر معاقل “داعش” في الباغوز عام 2019، بدا أنه قد تلقى ضربة قاسية قلّصت من حضوره في سوريا والعراق.
غير أن السنوات التالية أظهرت أن “داعش” لم يُمحَ من المشهد، بل أعاد ترتيب صفوفه وتكييف استراتيجيته مع الواقع الجديد، مستفيداً من الفوضى والانقسامات السياسية والأمنية التي تعيشها سوريا.
إذ أن “داعش” ما زال يشكل تهديداً كبيراً، سواء عبر هجمات مفاجئة تستهدف القوات المحلية والدولية في المناطق التي لا زال تنشط فيها خلاياه في سوريا والعراق، أو عبر عمليات نوعية تهدف إلى بث الرعب وزعزعة الاستقرار في المناطق الهشة.
في السنوات الأخيرة، تراجع عدد عناصر “داعش” من عشرات الآلاف إلى نحو 2500 عنصر نشط بحسب تقديرات الأمم المتحدة، لكنه لم يفقد قدرته على توسيع دائرة هجماته.
فقد أعلن “داعش” عن تنفيذ نحو 294 هجوماً في سوريا خلال عام 2024 فقط، مقارنة بـ121 هجوماً في العام الذي سبقه، ما يعكس تحوله من كيان يسيطر على المدن والمناطق الكبرى إلى شبكة خلايا صغيرة أكثر مرونة وفاعلية.
وسمح له هذا التحول بالتحرك بسرعة، وتجنب المواجهة المباشرة مع القوات المسلحة، مع التركيز على الكمائن والاغتيالات والتفجيرات الصغيرة التي تحمل رسائل تهديد واضحة للسلطات والمجتمعات المحلية.
البادية.. ملاذ “داعش”
تحولت البادية السورية، الممتدة بين ريف حمص الشرقي ودير الزور وصولاً إلى الحدود العراقية إلى معقل رئيسي لـ”داعش”، التضاريس الوعرة وقلة السكان وصعوبة الانتشار العسكري جعلت من هذه المنطقة أرضاً خصبة له، حيث يمكن لعناصره تنفيذ هجمات على القوافل العسكرية وطرق الإمداد ثم الانسحاب بسرعة إلى الكهوف والأودية التي يصعب الوصول إليها.
وقد تم توثيق عشرات الهجمات في هذه المناطق على القوات العسكرية الموجودة فيها، كما تسببت العمليات في سقوط ضحايا من المدنيين، ما يعكس استمرار خطر “داعش” على جميع الأطراف.
وأواخر آب الماضي حذر وكيل الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، فلاديمير فورونكوف، من أن تهديد “داعش” لا يزال معقداً ومتقلباً، مشيراً إلى قدرته وفروعه على التكيف والمرونة رغم جهود مكافحة الإرهاب الدولية المستمرة.
وأوضح المسؤول الأممي أن “داعش” ما زال نشطاً في العراق وسوريا، ويسعى لاستعادة قدراته العملياتية في منطقة البادية، ويواصل جهوده لزعزعة استقرار السلطات المحلية واستغلال الثغرات الأمنية، والانخراط في عمليات سرية، وإثارة التوترات الطائفية.
وحذر فورونكوف من أن “داعش” يستغل التقنيات الحديثة والناشئة، بما في ذلك منصات الرسائل المشفرة وأنظمة التمويل الجماعي، كما بدأ في تجربة الذكاء الاصطناعي لتعزيز حملاته الدعائية والتواصل الداخلي، وهو ما يمثل تحدياً متزايداً لمكافحة الإرهاب.
وتتمثل أكبر التحديات التي تواجه مكافحة “داعش” في السجون والمخيمات التي تضم آلاف عناصره وعائلاتهم في شمال شرق سوريا، فسجن الصناعة في الحسكة، على سبيل المثال، شهد هجوماً واسعاً مطلع عام 2022 في محاولة لتهريب مئات السجناء بالفرار قبل إعادة اعتقالهم، وهو ما أبرز خطره المتصاعد.
كذلك، المخيمات مثل الهول وروج أصبحت بيئة يمكن لـ”داعش” من خلالها فرض قواعده داخل مجموعات الأسر والعائلات، بما يشمل محاكم سرية وعمليات اغتيال لمن يعارضونه، في ظل استمرار نشاط الخلايا في المخيمين.
جهود متواصلة
مطلع أيلول الجاري أطلقت قوى الأمن الداخلي التابعة للإدارة الذاتية في إقليم شمال وشرق سوريا المرحلة الرابعة من عملية “الإنسانية والأمن” في مخيم الهول، في خطوة تهدف إلى تعزيز حماية سكان المخيم والتصدي لخلايا “داعش” النائمة.
وخلال السنوات الماضية، نفذت قوى الأمن الداخلي بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية عمليات متتالية لملاحقة خلايا “داعش” والحد من انتشار الفكر المتطرف، شملت اعتقالات واسعة للخلايا وضبط أسلحة وأجهزة اتصال، إلى جانب تحرير نساء محتجزات تعرضن للاستعباد.
وقد كشفت الحملات عن أن النساء المتشدّدات أعادن تنظيم “جهاز الحسبة” داخل المخيم، ونظمن دورات دينية لتجنيد الأطفال، فيما استخدم “داعش” أساليب الترهيب والعنف ضد المخالفين للفكر المتطرف، ما أدى إلى وقوع جرائم قتل بحق نساء رفضن الخضوع لهذه الممارسات.
وجاءت عملية “الإنسانية والأمن” التي انطلقت في 5 أيلول الجاري، في ظل فراغ أمني كبير شهدته سوريا منذ سقوط النظام في كانون الأول 2024، إذ استغله “داعش” لإعادة تنظيم صفوفه وزيادة هجماته في شمال وشرق البلاد، خصوصاً في البادية.
وأكد القيادي العسكري عبد الكريم عويد أن الهجمات تصاعدت منذ مطلع العام، موثقاً نحو 150 هجوماً على نقاط عسكرية وأمنية في دير الزور خلال الأشهر الثمانية الأولى، بينما وثّق المرصد السوري 163 هجوماً في شمال وشرق سوريا حتى نهاية آب، مقابل أربع هجمات محدودة في مناطق الحكومة الانتقالية.
ويشير الواقع داخل مخيم الهول إلى أن المخيم أصبح بيئة مثالية لإعادة إنتاج عناصر “داعش”، خصوصاً بين الأطفال الذين يتلقون تعليمات دينية متشددة فيما يعرف بدورات “أشبال الخلافة”، كما تواصل النساء المتشدّدات فرض سلطة دينية بالقوة، مستخدمات الترهيب والتعذيب ضد المخالفين، ما يجعل المخيم أرضاً خصبة لنمو التطرف.
ورغم الجهود الكبيرة لقوى الأمن الداخلي ووحدات حماية المرأة وقوات سوريا الديمقراطية، يشكل الإهمال الدولي تهديداً مضاعفاً، إذ ترفض معظم الدول الغربية استعادة رعاياها، وتفتقر الأطر القانونية لمحاكمة مرتزقة “داعش”، ما يضع الإدارة الذاتية أمام عبء كامل دون دعم مالي أو مؤسسي.
وتشير الإحصاءات الأخيرة إلى أن عدد سكان المخيم يبلغ نحو 26,539 شخصاً، بينهم 6,352 من جنسيات أجنبية، و4,933 عراقياً، و15,245 سورياً، إلى جانب 9 أشخاص مجهولي النسب، ما يضاعف التحديات الأمنية والإنسانية.
يؤكد خبراء أن المرحلة المقبلة تتطلب مقاربة شاملة تشمل إعادة توطين الأسر وتأهيل الأطفال والنساء، وإنشاء محكمة دولية لمحاكمة مرتزقة “داعش” وفق القانون الدولي، وتوسيع برامج التأهيل النفسي والتعليمي تحت إشراف منظمات دولية، وزيادة الدعم المالي واللوجستي للإدارة الذاتية، إضافة إلى وضع آلية رقابية دولية لضمان وقف الانتهاكات واحتواء الفكر المتطرف داخل المخيم، في سبيل منع تحول المخيم من مركز احتجاز إلى قاعدة إرهابية جديدة.
مصادر التمويل
رغم فقدان مصادر تمويل ضخمة مثل النفط في الرقة ودير الزور، لا يزال “داعش” يمتلك شبكات مالية مرنة ومتعددة المصادر، تشمل الابتزاز والإتاوات، والتهريب بين سوريا والعراق، وتحويل الأموال عبر وسطاء في دول مجاورة.
وتتيح هذه الموارد لـ”داعش” دفع رواتب عناصره وتأمين الأسلحة والحفاظ على ولاء الخلايا النائمة، ما يجعله قادراً على الصمود أمام الضربات العسكرية المباشرة.
وتطورت تكتيكات “داعش” لتصبح أكثر شراسة وفعالية، حيث يعتمد على الكمائن الليلية ضد القوات العسكرية، واغتيالات زعماء العشائر والوجهاء المحليين، إلى جانب تفجيرات انتحارية محدودة لكنها رمزية، مثل الهجوم على كنيسة في دمشق عام 2025، وتفخيخ الطرقات لقطع خطوط الإمداد بين المدن.
المجتمع الدولي لم يتوقف عن إطلاق التحذيرات بشأن نشاط “داعش”، الأمم المتحدة أكدت في تقاريرها أنه ما زال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات كبيرة، وأن خطره يمتد عابراً للحدود إذا لم تُعالج الأسباب الجذرية.
كما أعلنت القيادة المركزية الأميركية عن ضربات جوية استهدفت قيادات ميدانية للتنظيم، لكنها شددت على أن الحل لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، كما حذر الاتحاد الأوروبي من انتقال خطر “داعش” إلى الداخل الأوروبي عبر المقاتلين العائدين أو هجمات يُخطط لها من سوريا.
وتتراوح السيناريوهات المستقبلية لنشاط “داعش” بين العودة الكبرى في حال انهيار الوضع الأمني أكثر، أو استمرار النشاط الخلوي على شكل موجات عنف متقطعة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، وصولاً إلى التراجع التدريجي إذا نجحت الجهود الدولية في إدارة السجون وتجفيف منابع التمويل وتعزيز الاستقرار المحلي.
وعلى الرغم من خسارته للمدن والمناطق الكبرى، يظل “داعش” حاضراً في سوريا كتهديد مستمر، وقوته لم تعد تكمن في السيطرة الجغرافية، بل في قدرته على التكيف مع الظروف، واستغلال الانقسامات والفراغات الأمنية، وتوظيف أيديولوجيته لاستقطاب عناصر جديدة.
والتحدي الحقيقي اليوم ليس عسكرياً فحسب، بل سياسي واجتماعي واقتصادي، فإذا استمرت الفوضى والانقسامات، فإن التنظيم سيجد مرة أخرى بيئة خصبة لإعادة إنتاج نفسه، أما إذا نجح السوريون والمجتمع الدولي في بناء مؤسسات قوية ومعالجة جذور التطرف، فقد يكون بالإمكان إغلاق صفحة “داعش” نهائياً، ومنع عودته كتهديد فاعل على الأرض