استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، الأربعاء 28 تشرين الأول 2026، رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في دمشق، في أول زيارة لرئيس وزراء عراقي إلى سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، في خطوة تعكس توجهاً نحو إعادة بناء العلاقات بين البلدين على أسس سياسية واقتصادية وأمنية مختلفة، بعد سنوات من التوتر والحذر المتبادل.
ولم تقتصر المباحثات على تأكيد الروابط التاريخية والجغرافية بين سوريا والعراق، بل تناولت ملفات أكثر ارتباطاً بمصالح البلدين، في مقدمتها التعاون في مجال الطاقة، وإحياء خط أنابيب النفط بين كركوك وبانياس، وتطوير طرق التجارة والنقل، وتعزيز التنسيق الأمني على الحدود المشتركة. كما بحث الجانبان التحضير لمؤتمر اقتصادي سوري عراقي مشترك يهدف إلى جمع المستثمرين والشركات واستكشاف فرص العمل في قطاعات الطاقة والنقل والزراعة والتجارة.
النفط.. بوابة الشراكة الاقتصادية
برز ملف الطاقة بوصفه أحد أبرز محاور الزيارة، مع بحث إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس النفطي، الذي يمكن أن يوفر للعراق منفذاً لتصدير النفط عبر الموانئ السورية على البحر المتوسط، ويمنح سوريا فرصة للاستفادة من موقعها الجغرافي في حركة الطاقة والتجارة الإقليمية.
ويعود تاريخ الخط إلى خمسينيات القرن الماضي، لكنه متوقف منذ سنوات طويلة، فيما تتجه المناقشات الحالية إلى إعادة تأهيله ودراسة إنشاء مسار جديد بطاقة تصديرية تصل إلى مليوني برميل يومياً. وكانت سوريا والعراق قد وقّعا في 18 تموز الماضي اتفاقين يتعلقان بإعادة تأهيل الخط، بالتوازي مع اتفاق لإعداد دراسات فنية ومالية لمشروع جديد بمشاركة ائتلاف يضم شركات دولية. ولا يزال تحقيق هذه الأهداف مرتبطاً باستكمال الدراسات والتمويل والأعمال الفنية اللازمة.
ولا يقتصر التعاون النفطي على المشاريع المستقبلية؛ إذ أفادت صحيفة «ذا ناشيونال»، نقلاً عن الشركة السورية للبترول، بأن العراق ينقل نحو 500 ألف طن من زيت الوقود شهرياً عبر الأراضي السورية إلى ميناء بانياس، فيما يستخدم المسار نفسه لاستيراد البنزين إلى العراق لتغطية جزء من احتياجاته.
وتكشف هذه الحركة عن وجود مصالح اقتصادية قائمة يمكن البناء عليها، إلا أن تحويلها إلى شراكة واسعة يتطلب تطوير البنية التحتية، وتسهيل إجراءات النقل والتخليص الجمركي، وتوفير ضمانات للمستثمرين، إلى جانب تحديد العوائد التي يمكن أن تحققها سوريا من مرور النفط والبضائع عبر أراضيها.
ممرات تجارية تتجاوز الحدود
تطرق الاجتماع أيضاً إلى تطوير الممرات البرية التي تربط العراق بسوريا وتركيا والسعودية، وإمكانية وصل ميناء الفاو الكبير في الخليج بالموانئ السورية على البحر المتوسط، بما يتيح توسيع حركة البضائع بين الخليج والأسواق الإقليمية والدولية.
ويمثل هذا التوجه فرصة أمام سوريا لاستعادة جزء من دورها بوصفها ممراً تجارياً بين العراق والبحر المتوسط، لكنه يضع أمام دمشق تحديات تتعلق بإعادة تأهيل الطرق والمعابر، وتحديث الخدمات اللوجستية، وضمان استقرار البيئة الأمنية والتشريعية اللازمة لحركة التجارة.
كما أن توسيع التعاون في الزراعة يمكن أن يفتح المجال أمام تبادل المنتجات والخبرات، وتطوير سلاسل التوريد، والاستفادة من التكامل بين الأسواق في البلدين. غير أن الأثر الاقتصادي لهذه المشاريع سيبقى محدوداً ما لم ينعكس على حركة الإنتاج وفرص العمل وتكاليف السلع، بدلاً من اقتصاره على الاتفاقات الرسمية والإعلانات الاستثمارية.
أمن الحدود.. ملف لا يقل أهمية عن الاقتصاد
احتل الأمن حيزاً أساسياً من المباحثات، مع بحث تعزيز التنسيق على الحدود المشتركة، وتبادل المعلومات، ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة، إلى جانب معالجة التوترات القائمة.
وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة في ظل استمرار المخاوف من نشاط خلايا تنظيم «داعش»، وحساسية الوضع الأمني في المناطق الحدودية، وما يرافقه من تحديات تتعلق بضبط المعابر ومنع تحوّل الأراضي الحدودية إلى مسارات للتهريب أو النشاط المسلح.
وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء السورية «سانا»، ناقش الجانبان أيضاً ترتيبات زيارة وفد أمني عراقي رفيع المستوى إلى سوريا، يُتوقع أن يضم مسؤولين دفاعيين وأمنيين، بهدف متابعة الملفات المطروحة ووضع آليات للتعاون بين الجهات المعنية.
ويمثل نجاح التنسيق الأمني شرطاً أساسياً لاستمرار المشاريع الاقتصادية، إذ يصعب بناء ممرات تجارية واستثمارات طويلة الأجل في ظل مخاطر أمنية أو غياب آليات واضحة لإدارة الحدود.
زيارة دينية ورسالة تتجاوز الحسابات المذهبية
حملت زيارة الزيدي بُعداً دينياً لافتاً، إذ زار الجامع الأموي في دمشق ومرقد السيدة زينب، في تحرك عكس رغبة في إبراز الروابط الاجتماعية والدينية بين البلدين، بعيداً عن الانقسامات المذهبية التي أثرت في علاقات المنطقة خلال سنوات الصراع.
وأعلن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي تبرعه بمبلغ عشرة ملايين دولار من أمواله الشخصية للموقعين الدينيين، بواقع خمسة ملايين دولار لكل منهما، وفق ما نقلته وسائل إعلام عراقية. كما تناولت المباحثات تسهيل زيارة العراقيين إلى مقام السيدة زينب، مع بحث تشكيل لجنة لدراسة الترتيبات اللازمة لضمان تنظيم الزيارات وتوفير الظروف الأمنية المناسبة.
وتحمل هذه الخطوة دلالة رمزية في سياق التقارب بين دمشق وبغداد، لكنها تبقى منفصلة عن المسار الاقتصادي والأمني الذي سيحدد طبيعة العلاقات على المدى الطويل. فاستعادة الثقة بين البلدين لا تعتمد على الرموز وحدها، بل تحتاج إلى تفاهمات مستقرة ومصالح متبادلة وآليات تنفيذ واضحة.
من التفاهمات السياسية إلى النتائج الملموسة
تأتي الزيارة في مرحلة تسعى فيها دمشق إلى توسيع علاقاتها الإقليمية وفتح المجال أمام الاستثمارات والتجارة، بينما تبحث بغداد عن مسارات إضافية لتصدير الطاقة وتوسيع حركة البضائع وتعزيز أمن حدودها الغربية.
وكان الشرع والزيدي قد التقيا في نيويورك خلال أيلول الماضي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبحثا آنذاك سبل تعزيز العلاقات السياسية والأمنية وتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري، ما يشير إلى أن زيارة دمشق جاءت ضمن مسار من الاتصالات السابقة، وليست تحركاً منفصلاً.
ومع ذلك، فإن الحديث عن شراكة استراتيجية لا يعني أن الطريق أصبح ممهداً أمامها؛ فالمشاريع النفطية تحتاج إلى تمويل وتنفيذ، والممرات التجارية تحتاج إلى بنية تحتية فعالة، والتعاون الأمني يتطلب تنسيقاً مستمراً وقدرة على معالجة الملفات الحساسة بين الطرفين.
وبالنسبة إلى سوريا، فإن القيمة الحقيقية للتقارب مع العراق ستظهر في حجم الاستثمارات التي تدخل الاقتصاد، والفرص التي توفرها للمواطنين، والعوائد التي تحققها قطاعات النقل والطاقة والزراعة، فضلاً عن قدرتها على استعادة دورها التجاري الإقليمي. أما بالنسبة إلى بغداد، فتتمثل المصلحة في تنويع طرق التصدير والنقل، وتوسيع الأسواق، وتأمين الحدود.
وهكذا، تفتح زيارة الزيدي الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات السورية العراقية، لكن نجاحها لن يُقاس بعدد اللقاءات أو حجم التصريحات، بل بمدى انتقال التفاهمات من قاعات الاجتماعات إلى مشاريع قائمة، واتفاقات قابلة للتنفيذ، ومصالح يشعر المواطن في البلدين بنتائجها.