لكل السوريين

استثمار يعيد الحياة

عبد الكريم البليخ

كأنّ الزمن، بعد طول قطيعة، قرر أن يمنح سوريا فرصة جديدة لتلتقط أنفاسها. فالمنتدى الاستثماري السوري ـ السعودي لم يكن مجرد تظاهرة اقتصادية عابرة، بل بدا كحدثٍ مفصليّ يحمل في طياته وعداً بتغييرٍ حقيقيّ في المشهد السوري، وخصوصاً في ظل ما أفرزته سنوات الحرب من انكسار اقتصادي وتآكل في البنى التحتية وتراجع في مستوى الخدمات الأساسية.

في أرقام المنتدى ما يشبه المعجزة: 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة 6.4 مليارات دولار، تغطي قطاعات كانت بالأمس القريب مرادفًا للدمار والعجز، واليوم يُعاد إحياؤها برؤية استثمارية واعدة. وزير الاستثمار السعودي، خالد الفالح، تحدث عن مشاريع تمتد من البنية التحتية إلى الاتصالات، ومن الخدمات المالية إلى المدن الذكية، مشيراً إلى أن هذه الاستثمارات ليست أرقامًا فحسب، بل بداية “حياة جديدة”، تعيد الروح إلى وطن أنهكته الحرب.

اللافت أنّ دمشق، العاصمة المثقلة بالأعباء، حازت على النصيب الأكبر من هذه الرؤية المستقبلية؛ إذ تتوزع الخطط الاستثمارية على ثلاثة مسارات: إعادة إعمار المناطق المتضررة، تطوير المناطق المنظمة، والاستثمار في الأراضي الجاهزة للبناء. من أبراج شاهقة في البرامكة إلى مدينة طبية في قدسيا، ومن مدينة ثقافية إلى مشروع مترو طال انتظاره، تبدو العاصمة وكأنها على وشك أن تنهض من تحت ركامها.

هذا التوجه الجديد لا يمس فقط الجانب العمراني، بل يمس روح السوري الذي ضاق ذرعاً بالوعود المجردة، ويبحث عن ملمسٍ حقيقيّ لتحسّنٍ في حياته اليومية؛ في المواصلات، في الماء، في فرص العمل. لم تعد إعادة الإعمار خطاباً سياسياً فارغاً، بل تحوّلت، على الأقل على الورق، إلى مشاريع قابلة للتحقق، ما دامت الإرادة حاضرة والبيئة مهيأة.

وهنا، تبرز الإشكالية الأعمق: هل لدى الحكومة السورية القدرة والرؤية على استثمار هذه اللحظة؟ وهل تدرك أن رأس المال لا يطرق الأبواب مرتين، وأن بناء الثقة أكثر تعقيداً من بناء الإسمنت؟

وشددت احدى الخبرات الاقتصادية على أهمية تلك الاستثمارات، و أن سوريا تمتلك خريطة استثمارية واقعية، تنسجم مع احتياجاتها الفعلية، وتستند إلى خبرات الدول الراغبة بالشراكة. لا يكفي أن تفتح الأبواب، بل يجب أن تعرف جيداً من تستدعي، ولماذا، وفي أي مجال. فالسعودية لا تبني مزارع أبقار، لكنها تبني مدناً؟.

الاستثمار في سوريا، إذاً، لا يجب أن يُرى فقط بوصفه رافعة اقتصادية، بل فرصة نادرة لإعادة صياغة مفهوم التنمية، على قاعدة التشاركية الذكية. ولعل الأهم من كل ما سبق، هو التفكير الجاد بكيفية استعادة العقول السورية المهاجرة، التي راكمت خبرات في الخارج وآن لها أن تساهم في بناء الإنسان كما الحجر.

نعم، المنتدى الاستثماري قد يكون شرارة البداية، لكنه ليس النهاية. فالتحديات ما تزال كبيرة، والمطلوب أكثر من توقيع اتفاقيات: بيئة شفافة، قوانين مرنة، محاسبة حقيقية، ووعي بأن الاستثمار لا ينمو في بيئة متخلفة إدارياً أو مثقلة بالولاءات والمحسوبيات.

لقد مُنحت سوريا، بعد طول انتظار، نافذة نحو المستقبل. فهل تحسن النظر من خلالها؟ أم تعود لتغلقها بيدها؟

- Advertisement -

- Advertisement -