تعيش محافظة السويداء كارثة إنسانية غير مسبوقة بعد الحملات العسكرية التي استهدفت عشرات القرى في أريافها الغربية والشمالية والشمالية الشرقية، وأدت إلى تهجير سكانها، وانتقال عشرات الآلاف إلى مناطق أكثر أمناً في المدارس، المقامات الدينية، ومراكز الإيواء.
وبدأت الهجمات بشكل متتالٍ، حيث تعرضت القرى للهجوم قرية تلو الأخرى، من قبل وزارتي دفاع وداخلية الحكومة المؤقتة، قبل أن تتابع هذه الهجمات مجموعات مسلحة تحت مسمى “جيش العشائر”.
ومنذ اليوم الأول لهجوم قوات الحكومة المؤقتة والعصابات التي رافقتها، وثّق نشطاء وحقوقيون ارتكاب القوات المهاجمة فظائع واسعة النطاق بحق المدنيين في مدينة السويداء وعشرات القرى التي شهدت إعدامات ميدانية مباشرة لعائلات بأكملها.
وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد مصورة لعمليات خطف النساء والأطفال والرجال المسنين من هذه المناطق.
ولا تزال عملية إحصاء الضحايا مستمرة، حيث تشير المصادر إلى ارتفاع عدد الشهداء من أهالي المحافظة في ظل صعوبة الوصول إلى غالبية هذه القرى التي تتناثر الجثامين في طرقاتها، نتيجة انتشار مجموعات مسلحة فيها.
أزمات إنسانية
تتفاقم الأزمات الإنسانية في المحافظة مع استمرار الحصار الخانق الذي فرضته قوات الحكومة المؤقتة على كافة مداخل السويداء، ومع استمرار انتشار ميليشيات ما يعرف بجيش العشائر، على طريق دمشق السويداء، والعديد من المواقع الأخرى.
ومن أكثر الأزمات خطورة حالياً، أزمة توفير مياه الشرب، حيث توقفت معظم الآبار عن ضخ المياه منذ بدأت العمليات العسكرية، نتيجة انقطاع الكهرباء وتدمير البنية التحتية للشبكة.
وصار من المألوف أن يتجمّع الناس في أحد أحياء مدينة السويداء بانتظار دورهم لتعبئة ليترات قليلة من المياه في عبوات بلاستيكية، بسبب عدم توفر المياه في بيوتهم.
وفاقم الشح الكبير في المحروقات الأزمة، حيث منع سيارات نقل المياه الخاصة من تلبية احتياجات المواطنين الفائقة.
وتتفاقم الأوضاع الإنسانية بشكل متسارع، مع استمرار الحصار الخانق على كافة الطرق المؤدية إلى السويداء من دمشق ودرعا، مما يؤدى إلى تراكم الأزمات الإنسانية، ومنع دخول الخضار والفواكه والأطعمة وحليب الأطفال والأدوية وأدنى متطلبات الحياة إلى المحافظة.
شهادة من الميدان
جاء صحافي من الشمال السوري إلى السويداء لتغطية الأحداث الدموية فيها، وذكر أن ما رآه “ليس معركة بين طرفين، بل كارثة إنسانية تنوء بها اللغة”.
وقال “أنقل إليكم هذه الشهادة من قلب النار، من بين الجثث، ومن تحت السقوف المحترقة، ومن بين القطط التي احترقت وفقدت حياتها على يد أحد عناصر الامن العام الذي من المفروض أن يساعد بنشر الأمن والامان”.
وتابع قائلاً “في الساعات الأولى، لم أسمع سوى صوت الرصاص، ولم أرَ سوى الدخان يتصاعد من البيوت المحروقة، فأبناء العشائر رأيتهم يحرقون المنازل والمحلات التجارية ويسرقون محتوياتها، كان كل شيء يصرخ: الموت مرّ من هنا”.
وأضاف “مشيت وسط الحطام.. رائحة الجثث سبقتني إلى الأزقة.. رأيت أجساداً بلا رؤوس وأشلاء مبعثرة.. فقد كانت صيحات التكبير والتهليل يرافقها قطع رؤوس الدروز مع صيحات الله أكبر.. كنت أحاول ألا أدوس على جسد، أو جزء منه فرأيت مجموعة من أبناء العشائر تطلق النار على مدنيين عزل كانوا رافعين ايديهم ومستسلمين.. وفي أحد الأحياء، وجدنا أنفسنا محاصرين داخل منزل نصف محترق، الرصاص يخترق الجدران، وأنا ألتصق بالأرض بسبب إطلاق نار كثيف من ابناء العشائر البربر دون اهداف دقيقة، فقط يطلقون النيران بشكل عشوائي وينهون حياة اي شيء يتحرك من أهالي السويداء المساكين وحتى الاطفال منهم”.
إعدام القطط
وفي مشهد يعكس وحشية المهاجمين قال الصحفي “في مكان آخر، بينما كنت ألتقط أنفاسي، سمعت مواء خافتاً، تتبعت الصوت، فوجدت مجموعة من القطط الصغيرة، أجسادها محروقة ومشوهة، كانت ترتجف من الجوع والخوف، جلست بجانبها، سقيتها من عبوتي، وفتت لها ما بقي من قطعة خبز، مددت يدي إليها، فارتجفت، ثم استسلمت للمسح على رأسها، شعرت حينها بشيء يشبه الحياة.. شيء صغير جدًا، لكنه كان كافيًا لأبكي.. وبعد قليل اقترب أحد الأشخاص الملثمين من أبناء العشائر مني ورأى القطط بجانبي، فقال لا يجب أن يبقوا أحياء فقد أكلوا من طعام الدروز الخنازير، وأجهز عليهم بنيرانه.. وتفاجأت بعبارة “الأمن العام” المخطوطة على لباسه المغطى بلباس عشائري فوقه.
لم تصدق عيناي ما رأيته.. هل هؤلاء عناصر امن عام ملثمين ومتخفيين بلباس أبناء العشائر!، ولكن أيضا أبناء العشائر ارسلوا ابناءهم لقتل أبناء السويداء ولهم تسجيلات مصورة تثبت ذلك. هنا اختلط الحابل بالنابل واجتمع كل شذاذ الأرض ومجرميها على أبناء محافظة آمنة وسكانها مسالمين”.
يذكر أن المحافظة تتعرض لحملة تضليل ممنهجة من قبل الإعلام الرسمي، للتعتيم على الجرائم التي ارتكبنها قوات الأمن العام، وينشر جيش الذباب الالكتروني الأخبار الكاذبة حول اتهامات متبادلة بين مكونات المحافظة، بهدف حدوث فتنة بين هذه المكونات، كما ينشر اتهامات تخوين متبادلة بين فصائل مسلحة محلية، لدفعها إلى الاقتتال.