دمشق/ مرجانة إسماعيل
تجد نورا العلي (24 عاماً) نفسها عالقة في دوامة الانتظار منذ أشهر، بعد أن أنهت دراستها في كلية العلوم السياسية بجامعة دمشق، حيث تحول حلمها بالعمل في الدبلوماسية أو البحث السياسي إلى كابوس من البطالة واليأس. فبينما كانت تتوقع أن تبدأ حياتها المهنية في إحدى المؤسسات الحكومية أو المنظمات الدولية، اصطدمت بواقع مرير: نقابة الصحفيين التي يفترض أن تنتمي إليها كخريجة علوم سياسية أغلقت أبوابها أمام الانتساب الجديد منذ أكثر من عام.
تقول نورا: “اخترت تخصص العلوم السياسية لأنني آمنت بقدرتي على المساهمة في بناء مستقبل أفضل لبلدي. لكنني اليوم أجد نفسي عاطلة عن العمل، بينما زملائي في التخصص يعملون في مجالات بعيدة كل البعد عن دراستنا، من بيع الهواتف إلى العمل في المقاهي”.
أزمة خريجي العلوم السياسية في سوريا ليست جديدة، لكنها تفاقمت في السنوات الأخيرة مع تزايد أعداد الخريجين وتراجع فرص العمل في القطاعات المرتبطة بتخصصهم. فبينما كان خريجو هذا التخصص يعتمدون سابقاً على التعيين في وزارة الخارجية أو الإعلام أو المؤسسات البحثية، أصبحت هذه الفرص نادرة بسبب شبه تجمد التعيينات الحكومية وتقلص وجود المنظمات الدولية.
المشكلة الأكبر التي يواجهها هؤلاء الخريجون تكمن في نظام النقابات المهنية. ففي الوقت الذي يفترض أن توفر نقابة الصحفيين غطاءً مهنياً لخريجي العلوم السياسية، نجد أن أبوابها ظلت مغلقة أمام الانتساب الجديد منذ العام 2022 بحجة “الاكتظاظ”. ويوضح مصدر في النقابة طلب عدم ذكر اسمه أن “عدد المنتسبين الجدد الذين يتم قبولهم سنوياً لا يتجاوز العشرات، بينما يصل عدد الخريجين من كليات العلوم السياسية والإعلام في دمشق وحدها إلى أكثر من 500 سنوياً”.
هذا الواقع دفع بالعديد من الخريجين إلى البحث عن بدائل. أحمد الحسين (25 عاماً)، أحد خريجي دفعة 2023، اضطر إلى العمل كسائق توصيل بعد أن أغلقت النقابة أبوابها. يقول أحمد: “قضيت أربع سنوات أدرس النظم السياسية والعلاقات الدولية، واليوم أقضي وقتي في توصيل الطلبات. المشكلة ليست في العمل نفسه، بل في إهدار سنوات من الدراسة والخبرة”.
أما سامر الدروبي، الذي تخرج قبل عامين، فاختار الهجرة إلى تركيا بعد أن فقد الأمل بالحصول على فرصة عمل مناسبة. يقول سامر: “حاولت الانتساب للنقابة لمدة عام كامل، ثم تقدمت للعديد من الوظائف في المؤسسات الإعلامية والبحثية، لكن جميع الأبواب كانت مغلقة. لم يبقَ أمامي سوى الهجرة”.
من جهتها، تقول الدكتورة لمى الشيخ، أستاذة العلوم السياسية في جامعة دمشق: “نحن أمام جيل ضائع من الخريجين المتميزين. المشكلة ليست في نقص الكفاءات، بل في غياب الرؤية لاستثمار هذه الكفاءات. يجب إما توسيع قاعدة الانتساب للنقابات، أو إيجاد بدائل عملية لدمج هؤلاء الخريجين في سوق العمل”.
ويضيف الدكتور نزار الصالح، الخبير في الشؤون الإدارية: “الحل يكمن في إصلاح نظام النقابات المهنية أولاً، ثم إنشاء صندوق خاص لدعم خريجي العلوم السياسية، يمكنهم من خلاله الحصول على منح لإنشاء مشاريع بحثية أو إعلامية مستقلة”.
في غياب الحلول الرسمية، بدأ بعض الخريجين بمبادرات فردية. فتحت نورا وزملاؤها صفحة على مواقع التواصل تقدم فيها تحليلات سياسية واقتصادية، بينما أسس آخرون مجموعات بحثية صغيرة تعمل على توثيق الأوضاع السياسية في سوريا. لكن هذه المبادرات تبقى محدودة التأثير وغير قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين.
في الوقت الراهن، يبدو أن خريجي العلوم السياسية في سوريا أمام خيارين صعبين: إما انتظار معجزة قد لا تأتي، أو الانخراط في أعمال بعيدة كل البعد عن تخصصهم وحلمهم المهني. وفي كلتا الحالتين، فإن الخاسر الأكبر هو الوطن الذي يخسر طاقات شبابه وكفاءاته الواعدة.