لكل السوريين

أزمة النقل في دمشق وحمص تتفاقم.. سكان يعانون من نقص الحافلات وازدحام الطرق

تقرير/ بسام الحمد

تشهد مدينتا دمشق وحمص أزمة نقل متصاعدة تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين، حيث يعاني السكان من نقص حاد في وسائل النقل العام، وازدحام مروري خانق، وارتفاع في أسعار وسائل النقل الخاصة. وتزداد المعاناة في الأحياء البعيدة عن المراكز الحيوية، حيث يضطر السكان إلى الانتظار لساعات في محطات الحافلات، أو دفع مبالغ كبيرة لاستخدام سيارات الأجرة بسبب غياب البدائل المناسبة.

في العاصمة دمشق، يشكو سكان أحياء مثل المزة وبرزة والقدم من شبه انعدام لخدمات النقل العام، مما يجبرهم على الاعتماد على “الميكروباصات” الخاصة التي تعمل بطريقة عشوائية، وتحدد أسعارها حسب مزاج السائقين. يقول أحمد السيد، أحد سكان حي المزة: “أضطر يومياً إلى الانتظار أكثر من ساعة لأجد مقعداً في ميكروباص، وإذا تأخرت عن عملي، لا أجد سوى سيارات الأجرة بأسعار خيالية”.

أما في حمص، فتتركز المشكلة في الأحياء الشرقية والجنوبية، مثل بابا عمرو والوعر والزهراء، حيث تعاني هذه المناطق من عدم وجود خطوط نقل منتظمة. وتؤكد نوال الحسن، وهي موظفة تعيش في حي الوعر، أن “المواصلات هنا كارثة، فالحافلات الحكومية قليلة ومزدحمة، وأحياناً لا تمر إلا كل ساعتين، مما يضطرني إلى المشي لمسافات طويلة تحت الشمس الحارة”.

وتعاني دمشق بشكل خاص من تدهور شبكة النقل الداخلي، حيث انخفض عدد الحافلات العاملة بشكل كبير خلال السنوات الماضية بسبب نقص الصيانة وعدم توفر قطع الغيار. ويوضح مصدر في مديرية نقل ريف دمشق، فضل عدم ذكر اسمه، أن “أكثر من 40% من الحافلات القديمة خرجت من الخدمة، ولم يتم تعويضها بأخرى جديدة بسبب نقص التمويل”.

وفي حمص، تتفاقم المشكلة بسبب التوزيع غير العادل لخطوط النقل، حيث تتركز الخدمة في المناطق المركزية على حساب الأحياء النائية. ويشير خالد العبود، أحد الناشطين في مجال النقل بالمدينة، إلى أن “بعض الأحياء مثل الحمراء والغوطة تعتمد على خط واحد فقط، وعندما يتعطل، يصبح التنقل مستحيلاً”.

ومن المشاكل الأخرى التي يعاني منها قطاع النقل في المدينتين، تردي حالة الطرق والاختناقات المرورية المستمرة، خاصة في ساعات الذروة. ففي دمشق، أصبحت مناطق مثل جامعة دمشق وكوبري الشهباء بؤراً للازدحام، حيث تتكدس السيارات لساعات بسبب ضيق الشوارع وعدم وجود حلول مرورية فعالة. وفي حمص، يعاني سكان دوار العسكري ودوار الحجاز من زحام يومي بسبب عدم كفاية الطرق البديلة.

وقد حاولت الحكومة في فترات سابقة معالجة الأزمة عبر خطط متفرقة، مثل استيراد حافلات لكن العدد ظل غير كافٍ لتغطية العجز الحاصل. كما أن مشروع النقل الذكي، الذي أعلن عنه قبل سنوات، لم ير النور بسبب الصعوبات المالية. ويقول الخبير الاقتصادي علي محمود: “الحل لا يكمن فقط في استيراد حافلات، بل في إصلاح البنية التحتية للنقل وتطوير نظام متكامل يشمل تخطيطاً أفضل للطرق وإدارة أكثر كفاءة”.

أما بالنسبة للقطاع الخاص، فقد زاد اعتماد المواطنين عليه، لكنه يفتقر إلى التنظيم، حيث تعمل آلاف السيارات الخاصة والميكروباصات دون رقابة كافية على الأسعار أو الجودة. ويشتكي العديد من المواطنين من استغلال بعض السائقين للظروف، ورفعهم الأسعار بشكل عشوائي، خاصة في المناسبات والأيام الممطرة.

ولا تقتصر آثار أزمة النقل على الجانب المعيشي فقط، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي، حيث تؤخر وصول العمال إلى أماكن عملهم، وتزيد من تكاليف نقل البضائع، مما ينعكس سلباً على الأسعار في الأسواق. كما أن الازدحام المستنزف للوقت والطاقة يؤثر على إنتاجية الأفراد ويُزيد من توترهم اليومي.

في ظل هذا الوضع، يطالب سكان دمشق وحمص بخطة عاجلة تشمل توفير حافلات جديدة، وتنظيم عمل القطاع الخاص، وتحسين الطرق، وإدخال أنظمة نقل حديثة مثل الحافلات السريعة (BRT) أو تجديد شبكة الترام القديمة. كما يقترح بعض الخبراء تفعيل مشاركة القطاع الأهلي والبلديات في إدارة النقل المحلي، لتخفيف العبء عن الحكومة المركزية.

ومع استمرار الأزمة دون حلول جذرية، يبقى المواطنون في المدينتين بين خيارين صعبين: إما تحمل معاناة التنقل اليومي بكل ما فيها من انتظار وازدحام وتكاليف باهظة، أو اللجوء إلى وسائل غير رسمية وغير مضمونة، مما يزيد من الفوضى في الشوارع. والأكيد أن أي تأخر في معالجة المشكلة سيؤدي إلى تفاقمها، وربما إلى انهيار شبه كامل لقطاع النقل في المدينتين، مع ما يعنيه ذلك من آثار خطيرة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

- Advertisement -

- Advertisement -