لكل السوريين

من السائقين إلى الطاقة.. هل تدخل العلاقات السورية العراقية مرحلة المصالح؟

لم تعد العلاقات السورية العراقية تُقاس فقط بحجم الاتصالات السياسية والملفات الأمنية، إذ بدأت التطورات على الحدود تكشف عن مسار أكثر ارتباطاً بالتجارة والنقل والطاقة وحركة الأشخاص، في وقت تحاول فيه دمشق وبغداد تحويل التواصل الرسمي إلى إجراءات عملية تمس تفاصيل الحياة اليومية بين البلدين.

آخر هذه المؤشرات جاء من ملف 59 سائقاً عراقياً كانوا محتجزين داخل الأراضي السورية على خلفية مخالفات، قبل أن تعلن هيئة المنافذ الحدودية العراقية، في 27 أيلول الجاري، الإفراج عنهم وإعفاءهم من الغرامات المالية المترتبة عليهم. وقالت الهيئة إن رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي وجّه بمتابعة الملف، فيما أجرى رئيس هيئة المنافذ الحدودية عمر عدنان الوائلي اتصالات مع رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية قتيبة بدوي انتهت إلى تسوية القضية والإفراج عن السائقين.

ورغم أن القضية تبدو في ظاهرها إدارية وقانونية، فإن توقيتها يمنحها أهمية تتجاوز عدد السائقين المحتجزين. فالحدود السورية العراقية باتت تشهد ملفات متداخلة تشمل حركة الشاحنات، والتبادل التجاري، والترانزيت، والطاقة، إضافة إلى حركة المسافرين، ما يجعل أي خلل في الإجراءات الحدودية قابلاً للتأثير في حركة اقتصادية أوسع.

التنف.. الحدود تتحول إلى ورشة تعاون

وقبل أيام من قضية السائقين، عقد مسؤولون سوريون وعراقيون اجتماعاً في منفذ التنف الحدودي، بحثوا خلاله تطوير العمل في المعابر ورفع الطاقة الاستيعابية وتحسين الخدمات المقدمة للمسافرين والناقلين.

وتناول الاجتماع أيضاً تفعيل الربط الإلكتروني بين الجمارك في البلدين، إلى جانب بحث إعادة حركة المسافرين عبر منفذ الوليد–التنف، وتسهيل عبور الشاحنات وتسريع المعاملات المرتبطة بالاستيراد والتصدير والترانزيت.

وتكشف هذه الخطوات عن محاولة لمعالجة واحدة من أكثر نقاط الاحتكاك حساسية بين البلدين: البيروقراطية الحدودية. فكلما ازدادت حركة النقل والتجارة، يصبح توحيد الإجراءات وتبادل البيانات إلكترونياً عاملاً مؤثراً في تقليل التأخير والمشكلات التي تواجه السائقين والشركات.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الإفراج عن السائقين العراقيين باعتباره اختباراً عملياً لقدرة المؤسسات في البلدين على احتواء الخلافات قبل تحولها إلى أزمة أوسع. فالملف لم يُترك للتراكم أو للتناول الإعلامي، بل جرى التعامل معه عبر قنوات رسمية مباشرة بين الجهات المعنية بالمنافذ والجمارك.

من الحدود إلى الطاقة

ولا تتوقف مؤشرات التقارب العملي عند حركة الشاحنات. ففي 27 أيلول، أعلنت الشركة السورية للبترول بدء نقل البنزين المورد للعراق عبر مصب بانياس النفطي، ضمن اتفاق يمتد لثلاثة أشهر وقابل للتجديد.

وبحسب المعلومات المعلنة، بدأت العملية بدفعة أولى بلغت 57 صهريجاً، مع العمل على رفع القدرة التشغيلية إلى نحو 200 صهريج يومياً عبر معبر التنف. كما تتولى شركة «UCC» القطرية شراء البنزين من مصادر عالمية، فيما تتولى الجهات السورية عمليات النقل عبر الأراضي السورية مقابل أجور ترانزيت.

ويمنح هذا التطور البعد الاقتصادي في العلاقة السورية العراقية مساحة أكبر، إذ تتحول الأراضي السورية إلى ممر لنقل الطاقة إلى العراق، في وقت تتحدث فيه دمشق عن عوائد الترانزيت وإمكانية توسيع دور البلاد كممر إقليمي لحركة المواد والطاقة.

وفي الاتجاه نفسه، أفادت مصادر سورية بأن حركة صهاريج النفط العراقي العابرة للأراضي السورية تتراوح حالياً بين 1000 و1200 صهريج يومياً، في مؤشر على توسع استخدام الأراضي السورية كمسار للنقل الإقليمي.

الأمن لا يزال حاضراً

لكن الانتقال إلى التعاون الاقتصادي لا يعني أن الملفات الأمنية تراجعت أو فقدت حساسيتها. فالحدود بين البلدين تحمل إرثاً ثقيلاً من الحرب، والتهريب، ونشاط تنظيم الدولة، والتوترات الإقليمية، وهو ما يجعل الأمن جزءاً ثابتاً من أي نقاش سوري عراقي.

إلا أن التطورات الأخيرة توحي بمحاولة توسيع العلاقة خارج الإطار الأمني وحده. فبدلاً من أن تقتصر الاتصالات على الملفات الحساسة، أصبحت المنافذ والجمارك والطاقة والنقل حاضرة بقوة في جدول الأعمال، وهي ملفات تتطلب تنسيقاً يومياً لا يمكن إدارته بالبيانات السياسية وحدها.

وهنا تكمن أهمية الربط الإلكتروني بين الجمارك، وتطوير المعابر، وتسهيل حركة الناقلين؛ فهذه الإجراءات قد تبدو تقنية، لكنها في الواقع تشكل البنية الأساسية لأي علاقة اقتصادية مستقرة بين بلدين متجاورين.

اختبار العلاقة يبدأ من التفاصيل

قضية السائقين الـ59 تقدم نموذجاً صغيراً لما يمكن أن تواجهه العلاقات السورية العراقية في المرحلة المقبلة. فكلما توسعت حركة النقل والتجارة، ستظهر مخالفات وخلافات وشكاوى وقضايا تتطلب آليات واضحة وسريعة للمعالجة.

والتحدي أمام دمشق وبغداد لا يتمثل فقط في توقيع الاتفاقات أو عقد الاجتماعات، بل في تحويل هذه الاتصالات إلى قواعد عمل ثابتة تحمي الناقلين والتجار والمسافرين، وتوضح مسؤوليات المؤسسات على جانبي الحدود.

كما أن نجاح هذه الآليات قد يساعد في تخفيف مساحة التوتر التي تراكمت خلال السنوات الماضية، لأن العلاقات بين الدول لا تُبنى فقط عبر القمم والاتفاقيات الكبرى، بل أيضاً عبر الطريقة التي تُدار بها القضايا الصغيرة عندما تظهر.

ومن هذا المنظور، فإن الإفراج عن السائقين العراقيين لا يمثل تحولاً سياسياً بحد ذاته، لكنه يأتي ضمن سلسلة تطورات متزامنة تشمل تطوير منفذ التنف، والربط الجمركي الإلكتروني، وبحث إعادة حركة المسافرين، إلى جانب توسع عمليات نقل الطاقة عبر الأراضي السورية.

ويبقى الاختبار الحقيقي في قدرة البلدين على تحويل هذه الخطوات المتفرقة إلى مسار مؤسسي مستمر، بحيث لا تحتاج كل مشكلة حدودية إلى تدخل سياسي مباشر لحلها، بل تصبح هناك آليات واضحة لمعالجة الخلافات من بدايتها، بالتوازي مع استمرار الحوار حول الملفات الأمنية والسياسية الأكثر تعقيداً.

فبين سائق ينتظر العودة إلى بلاده، وشاحنة تعبر التنف، وصهريج بنزين ينطلق من بانياس، تتشكل صورة جديدة للعلاقة السورية العراقية؛ علاقة لا تزال تحمل ملفات خلافية ثقيلة، لكنها في الوقت نفسه تفتح مساحة متزايدة للمصالح الاقتصادية والتعاون العملي على جانبي الحدود.

- Advertisement -

- Advertisement -