حذرت صحيفة الغارديان البريطانية من أن الآمال الهشة بمستقبل أكثر استقراراً في سوريا بعد سقوط حكم عائلة الأسد والحرب الأهلية الطويلة مهددة بالتبدّد، بسبب تصاعد العنف الطائفي والانقسامات الداخلية التي تعصف بالبلاد.
وقالت الصحيفة، “بعد خمسة عقود من حكم عائلة الأسد، وما يقرب من أربعة عشر عاماً من الحرب، أدرك السوريون أن بناء مستقبل أكثر إشراقاً سيكون على الأرجح صراعاً شاقاً كإزاحة ديكتاتورهم، أن كثيراً من السوريين استقبلوا الرئيس الجديد أحمد الشرع المقاتل السابق في تنظيم القاعدة وزعيم جماعة هيئة تحرير الشام الإسلامية، بحماس، بينما نظر إليه أبناء الأقليات بتفاؤل حذر. واليوم، يهدد العنف الطائفي تلك الآمال الهشة بغد أفضل”.
وأشارت الغارديان إلى أن شهر آذار الماضي شهد مقتل مئات المدنيين، معظمهم من أبناء الطائفة العلوية، على الساحل السوري، بعد كمين نصبه أنصار الرئيس المخلوع بشار الأسد، المنتمي لتلك الطائفة، لقوات الأمن.
ثم تطورت الأوضاع هذا الشهر عندما تحوّل نزاع محلي بين أحد أبناء القبائل البدوية وأحد أفراد الأقلية الدرزية في محافظة السويداء الجنوبية إلى عنف طائفي جماعي مروّع شاركت فيه قوات الحكومة السورية الانتقالية.
وأكدت الصحيفة أن الاشتباكات المسلحة والقصف والإعدامات الميدانية والغارات الجوية الإسرائيلية أسفرت عن مقتل مئات الأشخاص بينهم مدنيون، وأكثر ما يثير القلق، بحسب الصحيفة، هو سرعة تفاقم الأحداث وعجز الحكومة الجديدة أو عدم رغبتها في السيطرة على الوضع، مع ما يشبه انهيار منظومة الجيش الرسمية وتحولها إلى مجموعات من الميليشيات وأمراء الحرب.
وأوضحت الغارديان أن الشرع نجح في كسب تأييد دولي، لكنه فشل في مخاطبة جمهوره المحلي، ووصفت قيادته بأنها تواجه تحدياً جوهرياً يتمثل في ضرورة الحفاظ على دعم قاعدة طائفية متشددة، مع سعي تنظيم “داعش” لاستقطاب عناصرها، بالتوازي مع طمأنة بقية البلاد المجزأة والمتأثرة بجراح عميقة بأنه قادر على حمايتهم وتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وأضافت الصحيفة أن آل الأسد استغلوا الانقسامات الطائفية لعقود لتعزيز حكمهم، واليوم يسعى كثير من السوريين إلى الإنصاف أو الانتقام من الانتهاكات التي ارتُكبت خلال حقبة النظام السابق، ومع انتشار الأسلحة بعد سنوات الحرب، ووجود قادة ميليشيات يسعون للحفاظ على مصالحهم، والتنافس على الموارد الاقتصادية الشحيحة، تصبح المخاطر أكبر من أي وقت مضى.
وتابعت الغارديان أن “تدخل إسرائيل هذا الشهر، بزعم الدفاع عن الدروز، وهم أقلية مهمة في إسرائيل، أدى إلى تعميق الأزمة، مشيرةً إلى أنها احتلت أراضي إضافية وعملت على تقليص القدرات العسكرية السورية وتقويض القيادة الجديدة”.
واعتبرت الصحيفة أن استهداف وزارة الدفاع في دمشق لم يكن مجرد رسالة متصلة بأحداث السويداء، بل إشارة واضحة إلى نوايا إسرائيل الأوسع في سوريا، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى كبح جماح هذا التصعيد لأنها تدرك أن تفكك سوريا ليس في مصلحتها.
ورغم قتامة المشهد، رصدت الصحيفة بوادر أمل محدودة، أبرزها الجهود الشعبية لمعالجة العنف الطائفي عبر الحوار والسعي إلى العدالة الانتقالية. وأكدت أن هذين المسارين متلازمان: إذ لا يمكن لسوريا بناء الثقة بين مكوناتها دون إنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم القديمة والجديدة.
واختتمت الغارديان بالتشديد على أن تحسين المساءلة والالتزام بإعادة بناء العلاقات بين المجتمعات ليس رفاهية بل حجر أساس لبناء أمة ناجحة، محذرةً من أن سوريا التي لا تراعي جميع أبنائها ولا تحميهم لا يمكن أن تأمل في البقاء والازدهار.