تشهد العلاقات بين سوريا وإقليم كردستان العراق تطوراً ملحوظاً مع تكثيف اللقاءات السياسية رفيعة المستوى، في مؤشر على رغبة متبادلة بفتح صفحة جديدة من التعاون والتنسيق في ملفات الأمن والسياسة والاقتصاد، وسط تحولات متسارعة تشهدها المنطقة وسعي دمشق إلى توسيع دائرة انفتاحها الإقليمي.
وفي هذا السياق، استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، في قصر الشعب بدمشق، رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، حيث تناولت المباحثات سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب مناقشة التطورات الإقليمية وانعكاساتها على الأمن والاستقرار في البلدين.
وتأتي الزيارة في مرحلة تسعى فيها سوريا إلى إعادة بناء علاقاتها مع محيطها الإقليمي بعد سنوات من العزلة والصراع، بينما يواصل إقليم كردستان ترسيخ حضوره كلاعب مؤثر في ملفات المنطقة، مستفيداً من موقعه الجغرافي ودوره السياسي في العراق، وعلاقاته الواسعة مع الأطراف الإقليمية والدولية.
ويرى متابعون أن اللقاء يعكس انتقال العلاقات بين دمشق وأربيل من مرحلة التواصل المحدود إلى مسار أكثر انتظاماً، يقوم على الحوار المباشر وتبادل الرؤى حول القضايا المشتركة، وفي مقدمتها أمن الحدود، والاستقرار الإقليمي، والتعاون الاقتصادي، إلى جانب الملفات المرتبطة بشمال وشرق سوريا.
ولم يكن هذا الاجتماع الأول بين أحمد الشرع ونيجيرفان بارزاني، إذ سبق أن التقيا على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا خلال شهر أبريل الماضي، في لقاء اعتبر آنذاك بداية لمسار سياسي جديد بين الجانبين، عززته التطورات اللاحقة واستمرار التواصل بين القيادتين.
ويكتسب هذا التقارب أهمية إضافية في ظل المتغيرات التي شهدتها الساحة السورية، ولا سيما بعد التفاهمات التي أُعلنت بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وهي خطوة رحب بها رئيس إقليم كردستان، معتبراً أنها تمثل مدخلاً لتعزيز الاستقرار والحفاظ على وحدة سوريا، وتهيئة الظروف أمام حلول سياسية أكثر شمولاً.
ويؤكد محللون أن تكرار اللقاءات بين دمشق وأربيل يعكس إرادة سياسية للحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة، انطلاقاً من إدراك الطرفين أن الملفات المشتركة لم تعد تقتصر على الجوانب الأمنية، بل تشمل أيضاً قضايا اللاجئين، والتبادل التجاري، والتعاون في مجالات الطاقة والنقل والاستثمار.
وتكتسب العلاقة بين الجانبين بعداً استراتيجياً، إذ تنظر دمشق إلى إقليم كردستان بوصفه شريكاً مهماً في العراق يمتلك تأثيراً سياسياً وإقليمياً يمكن أن يسهم في دعم جهود الاستقرار، فيما يرى الإقليم أن استقرار سوريا يشكل عاملاً أساسياً لحماية أمنه الداخلي، نظراً للتداخل الجغرافي والسكاني وتشابك المصالح الاقتصادية والإنسانية بين الطرفين.
ومن المتوقع أن تفتح الزيارة الباب أمام توسيع التعاون الاقتصادي، عبر تنشيط حركة التجارة، وتطوير شبكات النقل، وتعزيز فرص الاستثمار، بما يسهم في دعم اقتصادات المناطق الحدودية وخلق مصالح مشتركة تعزز الاستقرار على المدى البعيد.
كما يبرز ملف أمن الحدود ومواجهة التهديدات العابرة للدول ضمن أولويات التنسيق، في ظل استمرار التحديات الأمنية في بعض المناطق الحدودية، والحاجة إلى آليات تعاون أكثر فاعلية لضبط الحدود وتسهيل حركة الأفراد والبضائع وفق تفاهمات تخدم مصالح الجانبين.
ويرى مراقبون أن التقارب بين دمشق وأربيل يعكس توجهاً إقليمياً أوسع يقوم على إعادة ترتيب العلاقات وفق منطق المصالح المشتركة والحوار السياسي، في ظل قناعة متزايدة بأن تحقيق الاستقرار في سوريا والعراق يتطلب تعاوناً مستمراً بين مختلف الفاعلين الإقليميين.
وفي المحصلة، تبدو زيارة رئيس إقليم كردستان إلى دمشق محطة جديدة في مسار العلاقات الثنائية، تحمل مؤشرات على مرحلة أكثر انفتاحاً تقوم على تعزيز الحوار السياسي وتوسيع مجالات التعاون، بما قد ينعكس إيجاباً على الأمن والاستقرار والتنمية في سوريا والعراق، ويفتح المجال أمام شراكات إقليمية أكثر رسوخاً خلال المرحلة المقبلة.