لكل السوريين

هدنة على حافة الانهيار.. واشنطن وطهران تتمسكان بالتفاوض رغم هشاشة التهدئة في الخليج

رغم استمرار تبادل الاتهامات والضربات المحدودة بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام الماضية، يبدو أن الطرفين اختارا إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة لمنع انزلاق الأزمة مجدداً نحو مواجهة عسكرية واسعة في منطقة الخليج، وسط تفاهم مؤقت يقضي بوقف الهجمات واستمرار المحادثات الفنية المرتبطة بتنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين.

وأعلن مسؤول أميركي التوصل إلى تفاهم مرحلي يهدف إلى وقف التصعيد “في الوقت الراهن”، مع مواصلة النقاشات حول آليات تطبيق بنود مذكرة التفاهم، في إشارة إلى رغبة مشتركة بإدارة الخلافات عبر المسار الدبلوماسي رغم استمرار حالة انعدام الثقة العميقة بين واشنطن وطهران.

ويأتي هذا التطور بعد أسابيع من التصعيد العسكري الذي أعقب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي انتهت بتوقيع مذكرة تفاهم في 17 يونيو، قبل أن تعود التوترات للواجهة إثر هجمات استهدفت حركة الملاحة في مضيق هرمز، تبعها قصف أميركي لمواقع داخل إيران وردود إيرانية طالت منشآت ومواقع في الخليج.

وبحسب مسؤولين أميركيين، فإن قنوات الاتصال الخاصة بمنع الاحتكاك العسكري بين الطرفين بقيت فعالة خلال الأزمة الأخيرة، وهو ما ساهم في احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة شاملة. كما أكدوا أن التفاهم الجديد يسمح باستمرار حركة السفن في مضيق هرمز ومحيطه، مع استمرار العمل على الملفات الفنية العالقة.

ورغم أهمية هذا التطور، فإن التهدئة الحالية لا تبدو اتفاقاً نهائياً بقدر ما تمثل مساحة مؤقتة لخفض التوتر. فما زالت الملفات الأساسية التي فجرت الأزمة قائمة، وفي مقدمتها أمن الملاحة في الخليج، وآليات تطبيق التفاهمات الأمنية، إضافة إلى الخلافات حول العقوبات والبرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي.

وتشير تقارير إعلامية أميركية إلى احتمال عقد اجتماع جديد بين مسؤولين من الطرفين في العاصمة القطرية الدوحة، على أن تتركز المحادثات هذه المرة على مستقبل الملاحة في مضيق هرمز وسبل منع تكرار الحوادث العسكرية، بدلاً من التركيز حصراً على الملف النووي كما كان مطروحاً سابقاً.

ويعكس هذا التحول تغيراً في أولويات الحوار الأميركي الإيراني، إذ بات أمن الطاقة العالمي وحماية خطوط التجارة البحرية في مقدمة الحسابات، بعدما أظهرت الأزمة الأخيرة مدى تأثير أي اضطراب في مضيق هرمز على الأسواق الدولية.

ويكتسب المضيق أهمية استراتيجية كبرى، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية العالمية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال. وقد أدى التوتر حوله إلى اضطرابات في أسواق الطاقة وارتفاع المخاوف من تأثر سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم إعلان إعادة فتح المضيق، تصر طهران على أن إدارة هذا الممر تقع ضمن سيادتها، وترفض أي ترتيبات قد تحد من دورها فيه، بينما ترى واشنطن أن حرية الملاحة تمثل مصلحة استراتيجية لا يمكن التراجع عنها.

ومن المتوقع أن تركز المفاوضات المقبلة على وضع قواعد واضحة لتجنب استهداف السفن التجارية، وإنشاء آليات اتصال سريعة بين الطرفين عند وقوع أي حادث أمني، بما يمنع سوء التقدير الذي قد يشعل مواجهة جديدة.

ولا تقتصر المحادثات على ملف الملاحة فقط، بل تشمل أيضاً مجموعات عمل مرتبطة بالعقوبات والبرنامج النووي، في محاولة لتحويل مذكرة التفاهم من إجراء مؤقت إلى مسار تفاوضي أكثر استقراراً.

لكن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بقدرة الطرفين على تجاوز أزمة الثقة. فواشنطن ترى أن إيران تحاول استخدام أدوات الضغط العسكري لتعزيز موقعها في الخليج، بينما تعتبر طهران أن الضربات الأميركية الأخيرة أثبتت استعداد واشنطن لاستخدام القوة حتى بعد التوصل إلى تفاهمات سياسية.

وتزداد صعوبة المشهد مع ارتباط الملف الأميركي الإيراني بتطورات إقليمية أخرى، أبرزها الساحة اللبنانية، حيث يبقى الوضع بين إسرائيل وحزب الله عاملاً مؤثراً قد ينعكس على استقرار التفاهمات بين واشنطن وطهران.

ولهذا تسعى الأطراف الوسيطة، خصوصاً قطر وباكستان، إلى الحفاظ على قنوات الحوار ومنع انهيار التفاهمات التي تم التوصل إليها، وسط إدراك بأن أي تصعيد جديد في الخليج أو المنطقة قد يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.

وفي المحصلة، فإن التفاهم الأميركي الإيراني الحالي لا يمثل نهاية للصراع، بل هدنة سياسية وأمنية هشة تمنح الطرفين فرصة لإدارة الخلافات عبر التفاوض بدلاً من المواجهة. فالقضايا الكبرى ما زالت مفتوحة، لكن استمرار الحوار يعكس إدراكاً مشتركاً بأن كلفة العودة إلى الحرب قد تكون أكبر من كلفة استمرار التفاوض، حتى لو بقيت التهدئة معرضة للاهتزاز مع أي تطور ميداني جديد.

- Advertisement -

- Advertisement -