بعد نحو عام ونصف من المفاوضات بين دمشق وموسكو، دخل ملف الوجود الروسي في سوريا مرحلة جديدة، مع توقيع مذكرة تفاهم تعيد تنظيم طبيعة الحضور الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس، وتمنح الدولة السورية دوراً أكبر في إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، مقابل الإبقاء على التعاون العسكري ضمن صيغة مختلفة.
وبموجب التفاهمات المعلنة، تتجه سوريا إلى تولي إدارة المنشآت المدنية، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، على أن يجري دمج هذه المرافق تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية السورية خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر. وفي المقابل، يجري تحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، بما يعني استمرار وجود روسي، ولكن ضمن ترتيبات جديدة تختلف عن نموذج القواعد العسكرية الذي ساد خلال السنوات الماضية.
وتعكس هذه الخطوة تحولاً لافتاً في شكل العلاقة بين دمشق وموسكو، من وجود عسكري روسي مباشر وواسع إلى صيغة تقوم على التعاون والتدريب، مع استعادة الدولة السورية إدارة مرافق ذات أهمية سيادية واقتصادية.
من القواعد إلى مراكز التدريب
لا يبدو أن التفاهم السوري الروسي يمثل انسحاباً روسياً كاملاً من سوريا بقدر ما يشير إلى إعادة تعريف لطبيعة الوجود الروسي ووظيفته.
فموسكو كانت قد حافظت على وجود عسكري في حميميم وطرطوس منذ سنوات، وشكل الموقعان ركيزة أساسية لنفوذها العسكري في شرق المتوسط. ومع التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا منذ نهاية عام 2024، بدأت موسكو ودمشق البحث عن صيغة جديدة تضمن استمرار العلاقة، ولكن بما يتلاءم مع الواقع السياسي الجديد. وكانت موسكو قد أعلنت في حزيران الماضي أنها تجري مباحثات مع دمشق حول إعادة هيكلة قاعدتيها في سوريا.
وتحمل صيغة تحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة دلالات تتجاوز الجانب التقني، إذ تعني أن التعاون العسكري الروسي السوري يمكن أن يستمر، لكن من دون الإبقاء على النموذج السابق للقواعد الروسية باعتبارها منشآت ذات طابع عسكري روسي مباشر.
وهنا تبرز أهمية التفاصيل التنفيذية للتفاهم، إذ إن طبيعة القوات الروسية التي ستبقى، وصلاحياتها، ونطاق نشاطها، وآلية إدارة المراكز الجديدة، ستكون عوامل أساسية في تحديد ما إذا كان التغيير يمثل تقليصاً فعلياً للوجود الروسي أم انتقالاً إلى نموذج أكثر مرونة.
السيادة السورية في الواجهة
بالنسبة إلى دمشق، يبدو أن استعادة السيطرة على المنشآت المدنية تمثل أحد أبرز أهداف المرحلة الجديدة.
فإعادة مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في طرطوس إلى الإدارة السورية لا تحمل بعداً اقتصادياً فقط، وإنما ترتبط أيضاً بمفهوم السيادة على المرافق الحيوية. وكانت السلطات السورية قد أكدت في تموز الماضي أن أي مشاريع أو اتفاقيات تتعلق بالموانئ والمنافذ السورية يجب أن تعلن عبر القنوات الرسمية، بعد تداول تقارير حول خطط روسية لإنشاء مركز لوجستي تجاري في طرطوس.
وبالتالي، فإن التفاهم الجديد يبدو أقرب إلى تسوية تعيد توزيع الصلاحيات بين الطرفين بدلاً من إنهاء العلاقة الروسية السورية.
ماذا تريد موسكو؟
من الجانب الروسي، لا تزال حميميم وطرطوس تحملان أهمية استراتيجية كبيرة، نظراً إلى موقعهما على الساحل السوري وصلتهما بالوجود الروسي في البحر المتوسط.
ولهذا فإن التخلي الكامل عن الموقعين لا يبدو الخيار الوحيد أمام موسكو، خصوصاً أن روسيا تسعى إلى الحفاظ على موطئ قدم في المنطقة، بالتوازي مع إعادة بناء علاقتها مع القيادة السورية الجديدة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن موسكو اختارت التكيف مع المتغيرات السورية بدلاً من القطيعة. فالتفاهم الجديد يحافظ على باب التعاون العسكري مفتوحاً، بينما يمنح دمشق سيطرة أكبر على المرافق المدنية.
وهذه الصيغة قد تسمح لروسيا بالحفاظ على جزء من نفوذها وخبرتها العسكرية، من دون تحمل أعباء وجود عسكري واسع بالصيغة السابقة.
البعد الاقتصادي في العلاقة الجديدة
لا تقتصر إعادة ترتيب العلاقة بين دمشق وموسكو على الجانب العسكري.
فمع تراجع أهمية القواعد العسكرية بوصفها العنوان الرئيسي للعلاقة، يمكن أن تبرز ملفات الاقتصاد والطاقة والنقل والتجارة وإعادة الإعمار بوصفها مساحات جديدة للتعاون.
وقد يشكل هذا التحول مصلحة للطرفين؛ فدمشق تحتاج إلى علاقات اقتصادية واستثمارات وخبرات خارجية في مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة والبنية التحتية، بينما تبحث موسكو عن الحفاظ على نفوذها ومصالحها في سوريا من خلال أدوات متعددة، لا تقتصر على الحضور العسكري.
بين التفاهم والاختبار
ورغم وضوح الخطوط العامة للمذكرة، فإن الحكم على نتائجها سيبقى مرتبطاً بما سيحدث على الأرض.
فالانتقال من القواعد العسكرية إلى مراكز التدريب المشتركة لا يعني بالضرورة نهاية التعاون الأمني والعسكري، كما أن استعادة سوريا إدارة المنشآت المدنية لا تعني انتهاء الدور الروسي.
الاختبار الحقيقي سيكون في طبيعة الصلاحيات التي ستمنح للطرفين، وحجم القوات الروسية التي ستبقى في سوريا، ومستوى استقلالية مراكز التدريب الجديدة، فضلاً عن قدرة دمشق وموسكو على تحويل التفاهم العسكري إلى شراكة سياسية واقتصادية أوسع.
مرحلة جديدة لا قطيعة كاملة
التفاهم السوري الروسي الجديد يضع العلاقة بين البلدين أمام معادلة مختلفة: سيادة سورية أكبر على المنشآت الحيوية، مقابل استمرار التعاون الروسي ضمن إطار أقل ارتباطاً بالقواعد العسكرية التقليدية.
وبذلك، فإن ما يجري لا يبدو مجرد تغيير في إدارة حميميم وطرطوس، بل إعادة صياغة لعلاقة بدأت عسكرياً على نطاق واسع، وقد تتجه الآن إلى نموذج أكثر توازناً بين المصالح الروسية ومتطلبات الدولة السورية الجديدة.
وبينما تستعيد دمشق السيطرة على المرافق المدنية، تحتفظ موسكو بقناة للتعاون العسكري والتدريب، ما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الطرفين على بناء علاقة جديدة تتجاوز إرث السنوات الماضية، وتقوم على المصالح المتبادلة والسيادة السورية.
المصدر: معطيات رسمية وتقارير دولية متقاطعة