الحوثيون يقتربون من إحكام قبضتهم على باب المندب.. والسعودية تحت ضغط الهجمات
تقدم ميداني على الساحل اليمني يغيّر حسابات البحر الأحمر، واستهداف منشآت سعودية يفتح جبهة جديدة في حرب تتجاوز حدود اليمن
تدخل الحرب في اليمن مرحلة جديدة مع التقدم الميداني الكبير الذي أحرزته جماعة الحوثيين على الساحل الغربي، وصولاً إلى مواقع استراتيجية قرب مضيق باب المندب، بالتزامن مع تصعيد الهجمات على السعودية، في تطور يعيد واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم إلى واجهة التوتر الإقليمي.
وخلال الأيام الماضية، تمكن الحوثيون من توسيع نطاق سيطرتهم على أجزاء واسعة من الساحل المطل على البحر الأحمر، بما في ذلك مدينة المخا ومناطق وجزر قريبة من باب المندب، بينما تحدثت تقارير عن سيطرة الجماعة على جزيرة بريم الواقعة داخل المضيق، الأمر الذي يمنحها موقعاً جغرافياً أكثر حساسية تجاه حركة الملاحة بين البحر الأحمر وخليج عدن.
باب المندب يتحول إلى ورقة ضغط
أهمية التطورات الأخيرة لا ترتبط بالسيطرة على أراضٍ يمنية فحسب، إذ يمثل باب المندب أحد الممرات البحرية الحيوية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويُستخدم لنقل كميات كبيرة من النفط والسلع بين آسيا وأوروبا.
ويشير محللون إلى أن التقدم الحوثي على الساحل يمنح الجماعة قدرة أكبر على تهديد الملاحة أو استخدامها كورقة تفاوض، حتى في حال عدم اتخاذ قرار بإغلاق المضيق بصورة رسمية.
وفي هذا السياق، قال الحوثيون خلال الأيام الأخيرة إن الملاحة في باب المندب ستبقى آمنة للسفن الدولية باستثناء السفن السعودية، في إطار ما أعلنوه من حصار بحري على السعودية.
وتكمن حساسية هذا الموقف في أن أي اضطراب واسع في حركة السفن عبر المضيق قد يدفع شركات النقل إلى تغيير مساراتها نحو طرق أطول وأكثر كلفة، بما ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة والتأمين والنقل البحري.
السعودية في دائرة الاستهداف
بالتوازي مع التقدم العسكري على الساحل اليمني، صعّد الحوثيون هجماتهم على الأراضي والمنشآت السعودية باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وخلال الأسبوع الجاري، أعلنت السلطات السعودية اعتراض طائرة مسيّرة حوثية، فيما أسفر سقوط حطامها عن مقتل شخص وإصابة اثنين، وفق تقارير إعلامية أميركية. كما تحدثت تقارير عن استهداف مواقع عسكرية ومنشآت مرتبطة بالطاقة داخل السعودية.
وتأتي هذه الهجمات في وقت تواجه فيه السعودية ضغوطاً إضافية على قطاع الطاقة، بعد تعرض أجزاء من خط الأنابيب الذي ينقل النفط من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر لهجمات أدت إلى توقف عمليات في أجزاء منه.
وأشارت رويترز إلى أن الأضرار التي لحقت بثلاث محطات ضخ على خط الأنابيب دفعت شركة أرامكو إلى وقف بعض شحنات الخام المتجهة إلى أوروبا، فيما بدأت جهود لإعادة جزء من طاقة الخط إلى العمل.
معركة الممرات البحرية
خطورة التصعيد الحالي تتضاعف بسبب تزامنه مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ما يجعل طرق تصدير الطاقة في المنطقة أمام ضغوط متزامنة.
ففي الوقت الذي تواجه فيه حركة السفن عبر هرمز انخفاضاً كبيراً، أظهرت بيانات نقل بحري أن حركة السفن التجارية عبر باب المندب تراجعت أيضاً عن متوسطها المعتاد، وسط المخاوف المتزايدة من توسع العمليات العسكرية على جانبي البحر الأحمر.
وبذلك لم تعد المعركة محصورة في السيطرة على مدن ومناطق يمنية، وإنما أصبحت مرتبطة بممرات الطاقة والتجارة العالمية، خصوصاً أن أي اضطراب طويل في أحد المضائق الرئيسية يمكن أن يرفع كلفة النقل ويضغط على أسواق النفط.
هل يتوسع التصعيد؟
التطور اللافت في المشهد أن الحوثيين لم يكتفوا بالضغط العسكري داخل اليمن، بل باتوا يستخدمون موقعهم على البحر الأحمر والهجمات بعيدة المدى لزيادة الضغط على السعودية.
وتشير تحليلات أمنية إلى أن الجماعة تسعى من خلال حملتها الجديدة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، بينها الضغط على السعودية لإنهاء عملياتها العسكرية، ورفع القيود عن الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين، والحصول على تنازلات مالية وسياسية.
وفي المقابل، تواجه القوات المناهضة للحوثيين انتكاسة ميدانية واضحة بعد الانسحابات الأخيرة من مناطق ساحلية استراتيجية، فيما بدأت أطراف يمنية مراجعة أسباب الانهيار العسكري وسوء التنسيق بين الفصائل والقوات الحكومية.
البحر الأحمر أمام مرحلة مختلفة
المشهد الجديد يضع السعودية أمام معادلة أكثر تعقيداً: حماية حدودها ومنشآتها الحيوية من جهة، وتأمين خطوط تصدير النفط والممرات البحرية من جهة أخرى، في وقت أصبحت فيه الخيارات العسكرية أكثر كلفة بسبب قرب المعارك من واحد من أهم طرق التجارة العالمية.
أما الحوثيون، فإن تقدمهم باتجاه باب المندب يمنحهم ورقة جغرافية واستراتيجية لم تكن متاحة لهم بالدرجة نفسها خلال فترة الهدوء التي أعقبت هدنة 2022.
وبينما تتواصل الاتصالات الدبلوماسية، ومنها لقاءات أميركية حوثية جرت في مسقط خلال الأيام الأخيرة، تبدو التطورات الميدانية أسرع من المسار السياسي.
وهكذا يتحول باب المندب من مجرد مضيق بحري في خريطة الصراع اليمني إلى نقطة تقاطع بين الحرب والطاقة والتجارة العالمية، فيما قد تحدد قدرة الأطراف على منع اتساع المواجهة ما إذا كان التصعيد الحالي سيبقى داخل حدود اليمن، أم يتحول إلى أزمة إقليمية أوسع تمتد من البحر الأحمر إلى أسواق النفط العالمية.