لكل السوريين

الطاولة والشطرنج في مقاهي حلب… رياضة العقل التي لا تشيخ

في أحياء مدينة حلب حيث تختلط رائحة القهوة مع عبق التاريخ، تنتشر مقاهي لا تزال تحتفظ بروح المدينة الأصيلة، ويتوافد إليها رجال تجاوزوا الستين والسبعين من أعمارهم، لا ليثرثروا فقط أو يحتسوا الشاي، بل ليمارسوا رياضة يعتبرونها جزءاً من حياتهم اليومية: الشطرنج. هذه اللعبة التي يراها البعض تحديًا ذهنياً، يراها كبار حلب طقساً لا يُمل، ورفيقاً دائماً لعقود طويلة من أعمارهم.

في حي الفرقان، وتحديداً في مقهى “الزهراء التراثي”، اجتمعنا مع عدد من رواد المكان، الذين اتخذوا من رقعة الشطرنج جزءاً من يومهم، وجعلوا من المقهى نادياً غير رسمي لعشاق رياضة العقل. كان أبو ناصر، 68 عاماً، يجلس على كرسيه الخشبي المعتاد، يحرك القطع بثقة هادئة، وعيناه تراقبان كل زاوية من الرقعة. “منذ أكثر من أربعين عاماً وأنا ألعب الشطرنج”، يقول بابتسامة فخر، “هذه ليست مجرد لعبة، إنها طريقة لفهم الحياة. كل حركة فيها حساب، وكل قرار يحتاج لتفكير”.

يجلس إلى جانبه أبو حسن، 72 عاماً، وهو متقاعد من التعليم، يرى في الشطرنج وسيلة للحفاظ على حدة الذهن. “أنا أؤمن أن العقل مثل العضلات، إذا لم تستخدمه يضعف. الشطرنج يساعدني على التفكير والتركيز، ويمنحني شعوراً بأنني لا أزال شاباً ذهنياً، حتى لو كان شعري قد شاب”. يضحك أصدقاؤه بينما يلتفتون إلى رقعتهم التالية.

أما مقهى “أبو عدنان” الشهير في حي العزيزية، يجتمع كل عصر عدد من الرجال من مختلف الخلفيات، بعضهم مهندسون متقاعدون، وبعضهم تجار سابقون، وآخرون حرفيون. يقول العم جورج، 75 عاماً، وهو من سكان حي السليمانية: “نحن نأتي إلى هنا منذ سنوات طويلة. الشطرنج يجعل الوقت يمضي بسرعة، ويبعدنا عن التفكير في تعب الحياة والضغوط. أنا أقول دائمًا: حين تلعب الشطرنج تنسى نفسك، وتعيش داخل اللعبة”.

المقاهي في حلب لا تقتصر على رقعة الشطرنج فقط، بل تنتشر فيها طاولات الطاولة (النرد)، وهي الأخرى تجد جمهورها بين كبار السن. وفي كثير من الأحيان، يتبادل اللاعبون بين اللعبتين، بحسب المزاج وطول الوقت. أبو سامي، 66 عامًا، يقول: “في بعض الأيام أبدأ بالشطرنج ثم أتحول للطاولة، نحب التغيير. المهم أن يكون هناك من يفهمك، ويحب اللعبة مثلك”.

ورغم التقدم التكنولوجي، وانتشار الألعاب الرقمية، إلا أن مشهد الرجال في المقاهي يلعبون الشطرنج لا يزال واحداً من أصدق صور الحياة في حلب، مشهدٌ يعكس عمق العلاقة بين الحلبية وهذه الرياضة الذهنية. فهي بالنسبة لهم ليست منافسة فقط، بل وسيلة للتواصل، والتفكير، واستحضار ذكريات طويلة، في ظل رقعة صغيرة وقطع صامتة، لكن تحكي الكثير.

- Advertisement -

- Advertisement -