عاد الهدوء تدريجياً إلى مدينة الصنمين في ريف درعا الشمالي، بعد يومين من التوتر والاشتباكات التي اندلعت خلال عملية أمنية استهدفت مطلوبين، وأسفرت عن مقتل ثلاثة من عناصر قوى الأمن الداخلي وإصابة آخرين، قبل أن تتحول المدينة إلى ساحة انتشار أمني واسع وملاحقة لخلايا مسلحة تقول السلطات إنها مرتبطة بتنظيم داعش.
وبينما عادت الأسواق وحركة السكان والسيارات إلى طبيعتها، بقي الانتشار الأمني حاضراً في عدد من أحياء المدينة، في مؤشر إلى أن انتهاء الاشتباكات لا يعني انتهاء العملية الأمنية. وتقول مصادر محلية إن القوات الأمنية تواصل عمليات الرصد والتمشيط تحسباً لمحاولات فرار أو تحركات جديدة من أفراد الخلايا التي تستهدفها الحملة.
عملية بدأت بمداهمة وانتهت باشتباكات
بحسب الرواية الرسمية، بدأت العملية عندما تحركت قوى الأمن الداخلي لتنفيذ مهمة لإلقاء القبض على أحد المطلوبين في الصنمين، قبل أن تتعرض القوة لإطلاق نار من مجموعة مسلحة، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات وسقوط ثلاثة من عناصر الأمن وإصابة آخرين.
وأكدت قوى الأمن استمرار انتشارها في المدينة وملاحقة المتورطين، فيما فُرض حظر تجول مؤقت خلال العملية بهدف السيطرة على الوضع الأمني ومنع اتساع رقعة الاشتباكات. وبعد إحكام الطوق على موقع تتحصن فيه المجموعة، أعلنت السلطات منح أفرادها مهلة لتسليم أنفسهم، قبل بدء عملية المداهمة بعد عدم استجابتهم للمهلة.
وفي تطور لاحق، أعلنت قوى الأمن الداخلي في درعا أنها تمكنت من تحديد الخلية التي تقول إنها تقف وراء مقتل العناصر الثلاثة، مشيرة إلى أن التحقيقات والمتابعة قادتا إلى تحديد محسن الهيمد وأحمد العثمان المعروف بلقب «الكشكي» باعتبارهما من أبرز المتهمين بقيادة الخلية.
وقالت السلطات إنها ضبطت خلال عمليات التفتيش أسلحة وذخائر وعبوات جاهزة للتفجير ومعدات قالت إنها تستخدم في تصنيع المتفجرات داخل منزلين مرتبطين بالمتهمين، مؤكدة استمرار ملاحقة بقية أفراد الخلية وإحالتهم إلى القضاء.
ملف أمني أقدم من الاشتباك الأخير
لا تبدو أحداث الصنمين الأخيرة منفصلة عن تعقيدات أمنية تراكمت في درعا خلال السنوات الماضية. فقد شهدت المدينة في آذار/مارس 2025 حملة أمنية ومواجهات مع مجموعات مسلحة محلية، وأسفرت المواجهات حينها عن سقوط قتلى وجرحى من عناصر الأمن، قبل دخول القوات الأمنية إلى مناطق كانت تتحصن فيها مجموعات مسلحة.
ويعيد التصعيد الأخير فتح ملف المجموعات التي لم تنخرط بصورة كاملة في الترتيبات الأمنية الجديدة، خصوصاً في المناطق التي شهدت خلال السنوات السابقة انتشاراً للسلاح وعمليات اغتيال وخطف وصراعات محلية.
وتقول مصادر محلية إن خطورة الملف لا ترتبط فقط بأعداد المسلحين، وإنما بطبيعة الشبكات التي يمكن أن توفر لهم المعلومات أو الحركة أو الملاذات، وهو ما يجعل تفكيك الخلايا عملية تتجاوز المداهمة المباشرة إلى تتبع العلاقات التي تربط أفرادها ببعضهم.
اتهامات بالارتباط مع «داعش»
السلطات السورية أعلنت بصورة مباشرة أن المجموعة التي تحصنت في الصنمين تتبع لتنظيم داعش، بينما نقلت تقارير إعلامية روايات محلية تتحدث عن وجود مجموعات ذات تركيبة مختلفة، بعضها مرتبط بمسلحين سابقين وبعضها متهم بارتكاب عمليات اغتيال وخطف.
وتبقى مسألة طبيعة هذه الروابط وحجمها بحاجة إلى إثبات قضائي ومعلومات تفصيلية مستقلة، خصوصاً أن الاتهامات المتعلقة بالانتماء أو الارتباط بتنظيمات مسلحة تحمل تبعات قانونية وأمنية كبيرة.
وفي المقابل، تؤكد الرواية الرسمية أن عمليات التتبع التي أعقبت الاشتباكات أظهرت وجود خلية منظمة، وأن ضبط العبوات والمعدات والأسلحة داخل المواقع المستهدفة يشير، وفق السلطات، إلى وجود قدرة على تنفيذ عمليات مسلحة داخل المدينة.
الهدوء لا يعني انتهاء الملف
في شوارع الصنمين، تبدو الحياة اليومية وقد بدأت تستعيد إيقاعها، لكن استمرار الانتشار الأمني يعكس أن السلطات لا تتعامل مع العملية باعتبارها حادثاً انتهى بانتهاء الاشتباك.
وتشير المعطيات الرسمية إلى استمرار البحث عن بقية أفراد الخلية، فيما يبقى السؤال الأوسع متعلقاً بقدرة الأجهزة الأمنية على منع تكرار مثل هذه المواجهات داخل المدن، والوصول إلى الخلايا قبل تحول عمليات التوقيف إلى اشتباكات مفتوحة.
كما أن استعادة الاستقرار في الصنمين لا تتعلق بالانتشار الأمني وحده، بل بقدرة المؤسسات على فرض القانون عبر إجراءات واضحة، وضمان انتقال الملفات من الملاحقة الأمنية إلى القضاء، بما يمنع استمرار دورة الثأر والفوضى المسلحة التي عانت منها مناطق في درعا خلال السنوات الماضية.
وتأتي أحداث الصنمين في وقت تشهد فيه محافظة درعا ملفات أمنية متزامنة، بينها ضبط مخلفات الحرب، وملاحقة مطلوبين، وقضايا تتصل بالسلاح غير المنضبط. وتظهر المتابعة الرسمية للمحافظة خلال الأيام الأخيرة استمرار النشاط الأمني في أكثر من ملف، بما في ذلك تفكيك مخلفات حربية وملاحقة مجموعات مسلحة.
وبذلك تبدو الصنمين أمام مرحلة اختبار جديدة: فعودة الأسواق والناس إلى الشوارع تمثل مؤشراً أولياً على احتواء التصعيد، لكن تثبيت الاستقرار يتطلب حسم ملف الخلايا المسلحة، ومعرفة امتداداتها، وضمان ألا تتحول المداهمات الأمنية المقبلة إلى مواجهات جديدة داخل الأحياء السكنية.
فالهدوء الذي عاد إلى المدينة قد يكون بداية لاستقرار طويل، وقد يكون مجرد هدنة مؤقتة في ملف لم تُغلق صفحاته بعد.