تقرير/ مرجانة إسماعيل
في أزقة ريف حمص الجنوبي وشوارع ريف دمشق الغربي، تعيش آلاف العائلات معاناة صامتة مع أوراق ثبوتية مفقودة أو غير مسجلة، تحول بينهم وبين أبسط حقوقهم في التعليم والعمل والعلاج. هذه المشكلة التي تفاقمت خلال سنوات الحرب، تحولت اليوم إلى كابوس يومي يلاحق الأهالي في كل خطوة، من مدارس أبنائهم إلى أبواب المستشفيات ومكاتب التوظيف.
تتجسد المأساة في قصة أبو محمد، المزارع الأربعيني من قرية الحولة بريف حمص، الذي فقد كل وثائقه أثناء النزوح من قريته عام 2013. يقول وهو يقلب يده الفارغة: “كل محاولاتي لاستخراج بدل فاقد باءت بالفشل، لأنني لا أملك حتى صورة عن هويتي القديمة. ابني الأكبر حرم من إكمال تعليمه لأنه لا يملك شهادة ميلاد، وابنتي ترفضها المدارس كل عام بنفس العذر”. الحال لا يختلف كثيراً في بلدة بيت سحم بريف دمشق، حيث تعيش أم علي مع أطفالها الثلاثة الذين ولدوا خلال سنوات الحصار دون أي أوراق ثبوتية. “كلما ذهبت إلى المدرسة لتسجيل أولادي، يطلبون مني وثيقة زواج رسمية لا أملكها، لأن زواجي كان عرفياً خلال الحرب”، تقول الأم الثلاثينية بحسرة.
المشكلة لا تقتصر على المناطق الريفية، بل تمتد إلى مخيمات النزوح التي تعج بعشرات الآلاف من الحالات المشابهة. في مخيم حرستا بريف دمشق، يحاول أبو أحمد، النازح من ريف حماة، تسجيل ولادة حفيده الذي ولد قبل أشهر، لكن طلبه يواجه عقبات لا حصر لها. “المحكمة تطلب وثيقة زواج ابني التي فقدناها أثناء النزوح، ومركز التسجيل يطلب شهادة ميلاد الأب التي لا نملكها”، يشرح الرجل الستيني بتعب.
وتكشف الأرقام الرسمية حجم الكارثة الإنسانية. ففي ريف حمص الجنوبي وحده، تشير تقديرات المجالس المحلية إلى وجود أكثر من 15 ألف طفل غير مسجلين في السجلات المدنية، بينما تقدر منظمات الإغاثة أن نسبة الزيجات غير المسجلة في ريف دمشق الغربي تصل إلى 35% من إجمالي الزيجات. هذه الأعداد الهائلة من “اللامرئيين قانوناً” يعيشون على هامش المجتمع، محرومين من التعليم والرعاية الصحية وحتى من حقهم في إثبات هويتهم.
وتواجه المدارس في هذه المناطق معضلة حقيقية. مديرة مدرسة في ريف حمص تشرح: “نضطر أحياناً لقبول الأطفال غير المسجلين بدافع إنساني، لكننا نواجه مشكلات لاحقة عند إصدار الشهادات الرسمية أو مشاركتهم في الامتحانات الوطنية”. الحال نفسه يتكرر في المستشفيات، حيث ترفض بعض المراكز الصحية تقديم الخدمات للأطفال الذين لا يملكون وثائق ثبوتية، خاصة في حالات اللقاحات الإجبارية والعلاجات المزمنة.
يوضح المحامي خالد الحسين، المتخصص في الشؤون المدنية، أن “القانون السوري يعترف بحق كل مواطن في الحصول على الأوراق الثبوتية، لكن التطبيق على الأرض يعاني من تعقيدات كثيرة”. ويضيف: “المشكلة تكمن في أن الكثير من حالات فقدان الوثائق حدثت في ظروف استثنائية خلال الحرب، مما يجعل إثبات الهوية مهمة شبه مستحيلة بالنسبة للكثيرين”.
بعض الأهالي يلجؤون إلى حلول بديلة، مثل تسجيل أطفالهم عبر شهادات من المشايخ أو المجالس المحلية، لكن هذه الوثائق غير المعترف بها رسمياً لا تفتح لهم الأبواب إلا في نطاق ضيق. آخرون يحاولون استصدار أحكام إثبات نسب من المحاكم، لكن هذه الإجراءات تتطلب وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة لا يقدر عليها معظم النازحين.
في محاولة للتخفيف من الأزمة، أطلقت بعض المنظمات المحلية في ريفي حمص ودمشق مبادرات لتسجيل المواليد الجدد وتوثيق الزيجات، لكن هذه الجهود تبقى محدودة أمام حجم الكارثة. كما أن العديد من العائلات تتردد في المبادرة بتسجيل أطفالها خوفاً من مشكلات قد تنجم عن كشف ظروف زواجهم غير المسجل أو نزوحهم غير الموثق.
المأساة تمتد إلى سوق العمل أيضاً، حيث يرفض معظم أصحاب العمل توظيف الشباب الذين لا يملكون وثائق رسمية. الشاب عبد الرحمن، العشريني من ريف دمشق، يحكي كيف فقد فرصة عمل في ورشة بناء لأن صاحب العمل طلب منه بطاقة شخصية: “حاولت إقناعه بأنني أعمل جيداً حتى بدون أوراق، لكنه رفض خوفاً من المشاكل القانونية”.
هذه الحلقات المفرغة من الحرمان تدفع بالكثير من الشباب إلى العمل في القطاع غير الرسمي بأجور زهيدة، أو إلى الهجرة غير الشرعية بحثاً عن مستقبل أفضل. كما تزيد من معدلات الزواج العرفي بين الشباب الذين لا يستطيعون إثبات هويتهم لإتمام زواج رسمي، مما يخلق حلقة مفرغة جديدة من الأطفال غير المسجلين.
في ظل هذا الواقع المرير، يبقى الأمل الوحيد لهؤلاء الناس في إيجاد حلول استثنائية تتناسب مع ظروفهم الاستثنائية. حلول لا تقتصر على التسهيلات الإدارية، بل تمتد إلى حملات توعية وتدخلات إنسانية تصل إلى أبعد قرية في الريف، حيث يعيش المئات من الأطفال الذين لا يعترف بهم أحد، إلا في عيون أمهاتهم اللواتي يحفظن أسماءهم عن ظهر قلب، لكنهن عاجزات عن منحهم أبسط حقوقهم في الوجود القانوني.