حاوره/ مجد محمد
أكد محمد سبيعي أن الرسالة باتت واضحة فمن يسبق إلى الاستثمار في سوريا اليوم، سيكون جزءاً من إعادة رسم خريطة الاقتصاد السوري غداً. لكن لا يمكن الحديث عن إعادة إعمار حقيقية في ظل بيئة غير مستقرة ومليئة بالعوائق القانونية والسياسية.”
في مرحلة دقيقة تمر بها سوريا، حيث تتقاطع ملفات الإعمار، والسياسة، والاقتصاد، بدأت ملامح جديدة تظهر على السطح، أبرزها الانفتاح العربي، وخصوصاً السعودي، تجاه دمشق، ومع توقيع اتفاقيات بمليارات الدولارات، بات واضحاً أن مرحلة ما بعد الحرب لم تعد مجرد أمنية، بل واقع يتشكل على الأرض.
فرغم التحديات الكبيرة التي تواجه سوريا بعد سنوات من الصراع، إلا أن هناك مؤشرات فعلية على بداية مرحلة جديدة، عنوانها الشراكة الاقتصادية والانفتاح الإقليمي، دخول السعودية بقوة إلى ملف الاستثمار، وبدء مشاريع حقيقية على الأرض، يمثلان نقطة تحول، لكن نجاح هذه المرحلة يبقى مشروطاً ببيئة مستقرة، وإدارة فعالة، وضمانات قانونية واقتصادية واضحة.
وفي هذا الموضوع، وبهذا الخصوص عقدت صحيفتنا السوري حواراً مطولاً مع الأستاذ محمد سبيعي، الحائز على درجة الماجستير في الاقتصاد.
*ما هو تقييمك للمرحلة الحالية من إعادة الإعمار في سوريا؟ هل دخلنا فعلياً في مرحلة إعادة البناء؟
تقييمي للمرحلة الحالية من إعادة الإعمار في سوريا أنها ما تزال في بداياتها الفعلية، لكنها لم ترتقي بعد إلى مستوى إعادة البناء الشامل أو الاستراتيجي، هناك محاولات جادة لإصلاح البنية التحتية في بعض المناطق المستقرة أمنياً، لكن هذه المحاولات تظل محدودة ومجزأة بسبب عدة عوامل، أهمها العقوبات الاقتصادية، ضعف التمويل، وتشتت القرار السياسي، ويمكن القول إننا بدأنا ببعض خطوات إعادة البناء، خاصة في القطاعات الخدمية مثل الكهرباء والمياه والتعليم، لكننا لم نصل بعد إلى مرحلة إعادة إعمار المدن المدمرة بالكامل أو إطلاق مشاريع اقتصادية كبرى بشكل منظم منهجي، لذلك المرحلة الحالية أشبه بمرحلة تمهيدية أو إعادة تأهيل، أكثر من كونها إعادة إعمار شاملة.
*ما أبرز التحديات التي تواجه جهود إعادة الإعمار حالياً؟ هل هي اقتصادية أم سياسية أم أمنية؟
التحديات التي تواجه جهود إعادة الإعمار في سوريا حالياً متعددة ومتشابكة، ويمكن القول إنها مزيج من التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية معاً، اقتصادياً تعاني سوريا من أزمة مالية خانقة، وانهيار في العملة المحلية، وارتفاع حاد في أسعار المواد الأساسية، إضافة إلى شح التمويل وغياب الاستثمارات الدولية الكبرى، وسياسياً لا تزال هناك حالة من عدم الاستقرار في المشهد السياسي، مع استمرار الانقسام الداخلي، وغياب توافق دولي حقيقي على صيغة سياسية تضمن بيئة آمنة للاستثمار والإعمار، أما أمنياً فلا تزال بعض المناطق تشهد توتراً، سواء بسبب وجود خلايا نائمة لتنظيمات إرهابية، أو بفعل الصراعات بين القوى المسيطرة، ما يجعل المستثمرين مترددين في دخول السوق السورية، إضافة إلى ذلك، هناك تحدي قانوني وإداري يتمثل في غياب بيئة قانونية شفافة وواضحة للمستثمرين، خاصة في ما يتعلق بملكية العقارات وحقوق التعويض، فكل هذه التحديات مجتمعة تبطئ وتيرة إعادة الإعمار، وتصعب جذب رؤوس الأموال الخارجية.
*هل الحكومة الحالية قادرة على إدارة عملية الإعمار بشكل فعال، أم هناك حاجة لإشراف خارجي؟
القدرة النظرية محدودة لدى الحكومة السورية الانتقالية لإدارة عملية الإعمار، نظراً لتجربتها الضعيفة في التخطيط المركزي وإدارة مؤسسات الدولة، والواقع العملي يظهر أن هذه القدرة تواجه تحديات كبيرة، سواء من ناحية الموارد أو الكفاءة أو الثقة الدولية، فالكثير من الجهات الدولية، وحتى بعض المستثمرين المحليين، يعتبرون أن إدارة الإعمار تحتاج إلى إشراف أو شراكة دولية لضمان الشفافية، وضمان توزيع الموارد بشكل عادل، وتفادي الاحتكار والفساد، وفي المقابل هناك رأي داخل سوريا يرى أن أي إشراف خارجي قد يفسر كتدخل سياسي أو محاولة لفرض شروط، وهو ما ترفضه بعض الجهات الرسمية، لذلك الحل ربما يكمن في صيغة شراكة ذكية، أن تقود الحكومة العملية من حيث السيادة الوطنية، لكن مع وجود رقابة أو دعم تقني ومالي من جهات دولية موثوقة، تضمن النزاهة وتحفز مشاركة القطاع الخاص.
*ما مدى فعالية الدعم الاقتصادي الذي تقدمه بعض الدول لسوريا في المرحلة الحالية؟
فعالية الدعم الاقتصادي المقدم لسوريا في مرحلة ما بعد سقوط النظام ستعتمد بشكل كبير على طبيعة الحكومة الجديدة ومدى قبولها إقليمياً ودولياً، حتى الآن لا يمكن القول إن هناك دعماً اقتصادياً مباشراً وفعالاً، بل هناك وعود وتحركات أولية من بعض الدول، خصوصاً العربية، تتعلق بإعادة الانفتاح والمساعدة في الإعمار، فالدول الداعمة تنتظر رؤية استقرار سياسي واضح، وبيئة قانونية شفافة، وضمانات بعدم عودة الفوضى أو الفساد، قبل ضخ أي دعم فعلي أو استثمار كبير، وبعض المساعدات الطارئة تصل عبر قنوات إنسانية، أو دعم تقني لبعض القطاعات كالكهرباء والمياه، لكن هذا لا يعتبر دعماً اقتصادياً استراتيجياً بعد، وإذا ما استطاعت الحكومة الجديدة كسب ثقة المجتمع الدولي، وخاصة دول الخليج والإتحاد الأوروبي، فإننا قد نشهد طفرة في المساعدات والاستثمارات، لأن إعادة إعمار سوريا تمثل فرصة اقتصادية كبيرة، لكن ذلك مرهون بتوفير بيئة مستقرة، وتطمينات سياسية.
*هل الحكومة الانتقالية قادرة على إدارة عملية الإعمار بشكل فعال، أم هناك حاجة لإشراف خارجي؟
تشكيل حكومة جامعة يمثل خطوة مهمة نحو بناء مرحلة جديدة في سوريا، لكنها ما تزال في طور التأسيس، وتعاني من نقص الخبرات الإدارية والمؤسساتية اللازمة لإدارة عملية إعادة الإعمار الشاملة بمفردها، ورغم وجود إرادة سياسية ورؤية مبدئية، إلا أن إعادة الإعمار تتطلب إمكانات ضخمة، خبرات فنية، بنى تحتية مالية، وتعاون دولي، وفي ظل هذه التحديات، من الصعب أن تكون الحكومة المؤقتة قادرة وحدها على إدارة العملية بشكل فعال ومنظم دون دعم وإشراف دولي تقني ومالي، لذلك من المرجح أن تكون هناك حاجة لتعاون وثيق مع منظمات دولية، مؤسسات أممية، وخبراء من الدول الداعمة، لضمان الشفافية، ومنع الفساد، ووضع أولويات الإعمار وفق معايير مهنية، وبكلمة أخرى الحكومة المؤقتة قد تكون القاطرة السياسية لمرحلة الإعمار، لكنها لا تستطيع أن تسير وحدها على هذا الطريق دون شركاء دوليين موثوقين.
*كيف ترى الانفتاح السعودي الأخير تجاه سوريا؟ وهل ترجم هذا الانفتاح إلى استثمارات على الأرض؟
الانفتاح السعودي الأخير تجاه سوريا لم يعد مجرد تقارب سياسي أو خطوة دبلوماسية رمزية، بل تحول فعلياً إلى شراكات اقتصادية واستثمارية ملموسة على الأرض، فخلال الشهور الماضية، زارت دمشق وفود اقتصادية سعودية رفيعة المستوى، وتم الإعلان عن عدة اتفاقيات استثمارية بمليارات الدولارات في قطاعات مثل الطاقة، الإسكان، الزراعة، والاتصالات، وهذا يؤشر إلى تحول استراتيجي في الموقف السعودي، يقوم على مبدأ أن إعادة دمج سوريا في المحيط العربي يجب أن يترافق مع دعم اقتصادي يعيد الحياة للبنية التحتية ويساعد على الاستقرار، واللافت أن هذه الاستثمارات جاءت رغم استمرار العقوبات الغربية، مما يدل على وجود تنسيق إقليمي عربي، وربما تفاهمات غير معلنة، لفتح ثغرات في الحصار الاقتصادي المفروض على دمشق، وباختصار السعودية لم تكتفي بالانفتاح السياسي، بل دخلت بثقلها المالي، لتكون من أوائل الدول التي ربطت المصالحة السياسية بفرص اقتصادية فعلية.
*ما نوع المشاريع السعودية المطروحة حالياً في سوريا؟ وهل هناك قطاعات محددة تستهدفها الرياض؟
خلال منتدى الاستثمار السعودي–السوري (يوليو ٢٠٢٥) في دمشق، تم توقيع ٤٧ اتفاقية استثمارية بقيمة تقارب ٢٤ مليار ريال سعودي (٦.٤مليار دولار)، والمشاريع تشمل، عقارات وبنى تحتية (١١ مليار ريال)، بناء ٣ مصانع أسمنت جديدة ب١٠٠ مليون ريال، نحو ٢٠ مليون دولار، و١٣٠ ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، ومشروع برج الجوهرة في دمشق، بقيمة نحو ٣٧٥ مليون ريال (١٠٠ مليون دولار)، يضم مرافق تجارية وسكنية ومكاتب وفندق، والاتصالات وتقنية المعلومات (٤مليار ريال، ١.٠٧مليار دولار)، وشركات سعودية دخلت في شراكات لتطوير البنية الرقمية، مرافق الذكاء الاصطناعي، البيانات، والجامعات التقنية، والقطاع المالي والخدمات المصرفية (٤.٨مليار ريال)، مذكرة تفاهم بين مجموعة تداول السعودية وبورصة دمشق لتفعيل التعاون والقوائم المزدوجة وصناديق الاستثمار في سوريا، ومجال الزراعة والصناعات الغذائية شمل مشاريع مشتركة في مزارع نموذجية، إنتاج حبوب عضوية، وسلاسل توريد الغذاء، بهدف تعزيز الأمن الغذائي والنمو الزراعي، ومجال الطاقة، الخدمات الطبية، التعليم، السياحة، النقل الجوي، تشمل الخطط تطوير المطارات، مستشفيات، مصانع أدوية، ومنشآت سياحية وترفيهية، بعض الاتفاقيات مستعدة لوضع حجر الأساس في قطاعات الطاقة والسياحة ضمن بنود المنتدى، فالقطاعات المستهدفة من قبل السعودية هي البنية التحتية ومواد البناء (مع التركيز على مصانع الأسمنت)، والعقارات والتطوير الحضري (مشاريع مثل برج الجوهرة ومجمعات سكنية وتجارية)، والاتصالات وتقنية المعلومات (بنية رقمية حديثة، أمان سيبراني)، والخدمات المالية والتكنولوجيا المصرفية، والزراعة وتكنولوجيا الأغذية، والطاقة، النقل، والتعليم، والسياحة ضمن بعض الاتفاقيات المبدئية.
*ما الرسالة التي توجهها للمستثمرين العرب الراغبين في دخول السوق السورية؟
السوق السورية اليوم تمثل فرصة استثمارية فريدة من نوعها بعد سنوات طويلة من التحديات، ومع بدء مرحلة إعادة الإعمار، وإشارات الانفتاح الإقليمي والدولي، بات الوقت مناسباً لدخول السوق والاستفادة من الإمكانيات الهائلة في قطاعات متعددة كالبناء، الصناعة، الزراعة، الاتصالات، والطاقة، ولكن الاستثمار في سوريا يحتاج إلى رؤية طويلة الأمد، وفهم دقيق للبيئة القانونية والسياسية، مع ضرورة الانخراط في شراكات محلية قوية، كما أن الصبر والمرونة مهمان في مواجهة التحديات الإدارية والأمنية، وندعو المستثمرين العرب إلى تبني مقاربة استراتيجية، تركز على التنمية المستدامة، وتحقيق منفعة مشتركة للسوق السورية وللجانبين، مع العمل على بناء ثقة متبادلة مع الجهات المحلية والحكومية، وبكلمات بسيطة سوريا ليست مجرد فرصة استثمارية عادية، بل هي بوابة لإعادة بناء مستقبل المنطقة، والمستثمرون العرب مدعوون ليكونوا جزءاً فعالاً من هذا التحول التاريخي.