لكل السوريين

باحث سياسي: سوريا بوابة التجارة العالمية وتعيش عصر التحديات الاقتصادية

حاوره/ مجد محمد

أشار أحمد العاصي إلى أن سوريا تُعد نقطة تقاطع استراتيجية بين قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، ما يجعلها تلعب دوراً حيوياً في حركة التجارة العالمية على مرّ العصور.

وتواجه سوريا العديد من التحديات على المستويين السياسي والاقتصادي، إلا أن موقعها الجغرافي يبقى عنصراً أساسياً لا يمكن تجاهله، وبفضل موقعها الاستراتيجي بين قارات العالم الثلاث، تمتلك سوريا إمكانيات هائلة لاستعادة دورها كمركز تجاري رئيسي، وإذا تم توفير بيئة آمنة ومستقرة، والعمل على إعادة بناء البنية التحتية وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي، فإن سوريا قد تستعيد مكانتها في التجارة العالمية وتُسهم في الاستقرار الاقتصادي في المنطقة.

ومع التحديات التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، يبقى السؤال مطروحاً حول كيفية استعادة مكانتها كممرّ تجاري مهم، وفي هذا الحوار الذي أجرته صحيفتنا مع أحمد العاصي، عضو مركز الخابور للدراسات الاستراتيجية، جرى النقاش حول أهمية سوريا الجيوسياسية، وكيفية استغلال موقعها لتعزيز التجارة الإقليمية والدولية، مع مراعاة التحديات التي تواجهها.

بدايةً، كيف تصف أهمية موقع سوريا الجغرافي في السياق العالمي؟

موقع سوريا يُعد واحداً من أهم المواقع الجغرافية في العالم، فهي تربط بين ثلاث قارات: آسيا، وأوروبا، وأفريقيا. وعلى مرّ التاريخ، كانت سوريا معبراً هاماً للتجارة العالمية، خاصة عبر طرق مثل طريق الحرير، هذا الموقع الاستراتيجي جعل من سوريا نقطة تواصل بين الشرق والغرب، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على حركة التجارة الدولية. وبفضل هذا الموقع، تُعتبر سوريا حلقة وصل أساسية بين الأسواق الكبرى في المنطقة.

هل ترى أن سوريا قد فقدت مكانتها كممرّ تجاري دولي في السنوات الأخيرة؟

بالطبع، الصراعات السياسية والحروب التي مرّت بها سوريا أثّرت بشكل كبير على مكانتها كممرّ تجاري دولي، تدمير البنية التحتية، إلى جانب غياب الأمن والاستقرار في العديد من المناطق، ساهم في تقليص حركة التجارة، ومع ذلك يبقى الموقع الجغرافي لسوريا ذا أهمية استراتيجية كبيرة، ما يجعل من الممكن استعادة مكانتها التجارية في المستقبل إذا توافرت الظروف الملائمة.

ما هي الممرات التجارية الرئيسية التي تمر عبر سوريا اليوم؟

سوريا كانت وستظل جزءاً من شبكة الممرات التجارية الحيوية. ومن أبرز هذه الممرات الطريق الذي يربط البحر الأبيض المتوسط بالدول المجاورة، مثل العراق ودول الخليج العربي، وكذلك الطرق التي تربط سوريا بتركيا ولبنان. هذه الطرق تتيح حركة شحن البضائع من أوروبا إلى الشرق الأوسط والعكس. ورغم التحديات الحالية، لا يزال بإمكان سوريا أن تلعب دوراً حيوياً في حركة التجارة الدولية إذا تم استعادة الأمن والاستقرار.

كيف يمكن للإدارة الذاتية أن تلعب دوراً في إعادة فتح هذه الممرات؟

الإدارة الذاتية في مناطق شمال وشرق سوريا تمثّل فرصة حقيقية لإعادة تشغيل الممرات التجارية المهمة. فمن خلال ضمان الاستقرار الأمني في المناطق التي تمرّ بها هذه الطرق، يمكن توفير بيئة ملائمة لاستئناف التجارة. إضافة إلى ذلك، يمكن للإدارة الذاتية العمل على تطوير البنية التحتية، مثل الطرق والمناطق الصناعية، ما يعزز دور سوريا كمركز تجاري إقليمي ودولي. ويُعد التنسيق مع القوى الأخرى في سوريا أمراً حاسماً في هذا السياق.

هل هناك تحديات اقتصادية قد تواجهها سوريا في استعادة دورها التجاري؟

نعم، التحديات الاقتصادية كبيرة ومتنوعة. أولاً، العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا تمثّل عقبة كبيرة أمام أي محاولات لإعادة بناء الاقتصاد، ثانياً، البنية التحتية التي دُمّرت أثناء الحرب تحتاج إلى إعادة تأهيل واسعة، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة. علاوة على ذلك، يظل غياب الاستقرار السياسي في بعض المناطق عاملًا معرقلاً لحركة التجارة. لكن، رغم كل هذه التحديات، تبقى الفرص كبيرة إذا تم تذليل هذه العقبات.

ما دور الأمن في تفعيل الممرات التجارية السورية؟

الأمن يمثّل الركيزة الأساسية لأي نشاط تجاري، خصوصاً في المناطق التي تُعد نقاط عبور حيوية للبضائع. في سوريا، كان غياب الأمن أحد الأسباب الرئيسية التي أدّت إلى تراجع حركة التجارة. وفي حال توافر الأمن، ستتدفق التجارة بشكل طبيعي، وستعود سوريا لتكون نقطة وصل بين الشرق والغرب. لذلك، يجب أن تكون هناك جهود من جميع الأطراف المعنية لضمان بيئة آمنة ومستقرة تُسهم في تيسير حركة التجارة عبر الحدود.

كيف يمكن لسوريا أن تستفيد من موقعها لتصبح مركزًا لوجستيًا في المنطقة؟

يمكن لسوريا أن تصبح مركزاً لوجستياً مهماً إذا تم استثمار موقعها الجغرافي بشكل صحيح. فمن خلال تطوير بنية تحتية متطورة للموانئ والمطارات والطرق السريعة، يمكن أن تتحول إلى مركز حيوي للتخزين والنقل. إضافة إلى ذلك، يمكن إنشاء مناطق اقتصادية خاصة لتشجيع الاستثمار الصناعي والتجاري، ما يزيد من قدرتها على جذب الشركات الإقليمية والدولية. تحسين هذه القطاعات سيساهم في تقليل التكاليف اللوجستية، ويجعل سوريا وجهة تنافسية في السوق العالمي.

هل هناك فرص للتعاون التجاري بين سوريا ودول الجوار؟

نعم، هناك فرص كبيرة للتعاون التجاري بين سوريا ودول الجوار، مثل تركيا والعراق ولبنان. التعاون مع هذه الدول يمكن أن يعزز حركة البضائع والسلع بين سوريا والأسواق المجاورة. على سبيل المثال، يمكن استئناف مشاريع البنية التحتية المشتركة، مثل الطرق البرية والسكك الحديدية التي تربط هذه البلدان. كما أن التعاون الاقتصادي القوي قد يؤدي إلى خفض الحواجز التجارية وزيادة الاستثمارات المشتركة، ما يعزز الاستقرار الاقتصادي في المنطقة.

هل هناك أمثلة على دول نجحت في استغلال موقعها الجغرافي كممرّ تجاري

نعم، هناك العديد من الدول التي نجحت في استغلال موقعها الجغرافي بشكل فعّال. على سبيل المثال، تُعد سنغافورة مركزًا تجاريًا عالميًا بفضل موقعها على مفترق طرق رئيسي بين المحيط الهندي والمحيط الهادئ. كما استطاعت تركيا أن تصبح جسرًا بين أوروبا وآسيا من خلال استثمار موقعها الجغرافي بشكل كبير. هذه الأمثلة توضح كيف يمكن لاستغلال الموقع الجغرافي بشكل استراتيجي أن يحوّل الدول إلى مراكز لوجستية وتجارية عالمية.

كيف يمكن لسوريا أن تستعيد الأمن الاقتصادي في مناطقها المتضررة؟

الاستعادة الاقتصادية تتطلب أولاً توفير بيئة آمنة ومستقرة. يجب أن تعمل الحكومة على تحقيق المصالحة بين الأطراف المختلفة في البلاد لضمان الاستقرار السياسي. بعد ذلك، يجب البدء بإعادة بناء البنية التحتية، مثل الطرق والموانئ والمنازل، إضافة إلى تقديم حوافز للقطاع الخاص والمستثمرين لتشجيعهم على العودة إلى السوق السوري. دعم الصناعات المحلية وتنمية القطاعات الأساسية، مثل الزراعة والصناعة، قد يُسهمان بشكل كبير في تنشيط الاقتصاد.

ما هي الخطوات التي يمكن أن تتخذها سوريا لتعزيز التجارة مع الدول العربية؟

يجب على سوريا العمل على تحسين علاقاتها الاقتصادية مع دول الجوار العربي من خلال رفع الحواجز التجارية، مثل الرسوم الجمركية والقيود على التصدير. كما يمكن العمل على إبرام اتفاقيات تجارية مشتركة مع الدول العربية، إضافة إلى فتح خطوط تجارية جديدة عبر المنافذ الحدودية. ومن خلال تعزيز التنسيق بين الحكومات العربية، يمكن زيادة حجم التجارة البينية، وبالتالي تعزيز النمو الاقتصادي الإقليمي.

ما دور التكنولوجيا في تطوير التجارة والنقل في سوريا؟

تلعب التكنولوجيا الحديثة دورًا كبيرًا في تحسين كفاءة التجارة والنقل. فاستخدام التقنيات المتقدمة في تتبع الشحنات، وتطبيق الأنظمة الإلكترونية في المعاملات الجمركية، يمكن أن يقلل من التكاليف ويزيد من سرعة عمليات التبادل التجاري. كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة في التخطيط اللوجستي سيساعد في تحسين تدفق البضائع وضمان دقة المعلومات.

ما هو دور الاستقرار السياسي في تعزيز مكانة سوريا كمركز تجاري؟

الاستقرار السياسي عنصر أساسي في جذب الاستثمارات وتحقيق النمو الاقتصادي. فإذا تمكنت سوريا من التوصل إلى اتفاقات سياسية شاملة تؤدي إلى استقرار داخلي، فإن ذلك سيسهّل دخول الشركات الأجنبية ويعزز التعاون الإقليمي. وفي ظل الاستقرار السياسي، يمكن أن تشهد سوريا تحولًا اقتصاديًا وتجاريًا ملموسًا من خلال استعادة ثقة المستثمرين.

في الختام، ما هي رؤيتك لمستقبل سوريا كممرّ تجاري في العقد القادم؟

أرى أن مستقبل سوريا كممرّ تجاري يعتمد بشكل أساسي على استعادة الاستقرار السياسي والأمني في جميع مناطق البلاد. وإذا تم تحقيق هذا الاستقرار، يمكن لسوريا أن تستعيد مكانتها الاستراتيجية كممرّ حيوي بين قارات العالم. وفي العقد القادم، قد تصبح سوريا مركزًا تجاريًا إقليميًا يعزز التجارة بين الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا. وبالتوازي مع ذلك، يجب العمل على تحديث البنية التحتية والتكنولوجيا، وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول المجاورة والدول الكبرى. هذا الطريق ليس سهلًا، لكن إذا تم استغلال الفرص المتاحة بذكاء وعقلانية، فقد تجد سوريا نفسها مجددًا في قلب التجارة العالمية.

- Advertisement -

- Advertisement -