لكل السوريين

ارتفاع أجور إصلاح السيارات في درعا… المركبات القديمة تتحول إلى عبء ثقيل على أصحابها

درعا/ رجاء مختار

تشهد محافظة درعا جنوبي سوريا ارتفاعاً لافتاً في أجور إصلاح السيارات، لا سيما المركبات القديمة التي تشكّل النسبة الأكبر من السيارات المستخدمة في المحافظة. هذا الارتفاع لم يعد مقتصراً على الأعطال الكبيرة، بل طال أبسط أعمال الصيانة، في ظل الغلاء المتزايد لقطع الغيار وقلتها في الأسواق، ما وضع أصحاب السيارات أمام واقع اقتصادي صعب ومعادلة مرهقة بين الحاجة إلى التنقل وتكاليف الإصلاح الباهظة.

في ورشات التصليح المنتشرة في أحياء درعا البلد وطريق السد ودرعا المحطة، تبدو الحركة نشطة، لكن وجوه أصحاب السيارات لا تعكس ارتياحاً بقدر ما تعبّر عن قلق واستياء. كثيرون يدخلون الورشة لتفقد أعطال بسيطة، ليخرجوا بتكاليف تفوق توقعاتهم بأضعاف.

أبو سامر، وهو سائق سيارة أجرة قديمة من طراز يعود إلى تسعينيات القرن الماضي، يقول إن سيارته باتت “تأكل دخله” على حد وصفه. يضيف: “قبل سنوات كنت أصلح العطل بمبلغ بسيط، اليوم أقل تصليح يكلفني ما يعادل دخل أسبوع كامل. قطع الغيار غالية، والميكانيكي يطلب أجرة مرتفعة لأنه يقول إن العمل أصبح أصعب”.

السيارات القديمة، التي يعتمد عليها معظم سكان درعا بسبب عدم قدرتهم على شراء سيارات حديثة، تواجه مشكلات متكررة في المحركات وناقل الحركة والكهرباء. ومع توقف استيراد كثير من القطع الأصلية، بات الاعتماد على قطع مستعملة أو مقلدة أمراً شائعاً، وهو ما يرفع التكلفة ويقلل من عمر الإصلاح في الوقت نفسه.

قصي، شاب في الثلاثين من عمره، اشترى سيارة قديمة ليستخدمها في التنقل إلى عمله في الريف، لكنه فوجئ بأن إصلاح عطل في نظام التبريد كلّفه أكثر من نصف ثمن السيارة. يقول: “الميكانيكي قال إن القطعة غير متوفرة، واضطررنا لشرائها من تاجر قطع مستعملة بسعر مرتفع. وبعد شهر فقط تعطلت من جديد”.

من جهتهم، يبرر أصحاب ورش التصليح ارتفاع الأجور بجملة من الأسباب، أبرزها غلاء قطع الغيار وصعوبة تأمينها. أبو أحمد، صاحب ورشة ميكانيك في درعا المحطة، يوضح أن كثيراً من القطع باتت نادرة، ويضطر الميكانيكي لقضاء ساعات طويلة في البحث عنها أو تعديل قطع أخرى لتناسب السيارة. ويضيف: “العمل لم يعد كما كان، أحياناً نضطر لفك أكثر من سيارة لنصلح واحدة، وهذا جهد ووقت يجب أن يُحسب”.

ولا يقتصر الأمر على الميكانيك فقط، إذ شهدت أعمال الكهرباء والسمكرة والدهان أيضاً ارتفاعاً ملحوظاً في الأجور. فإصلاح عطل كهربائي بسيط أو تغيير دينامو أو بطارية أصبح يكلف أضعاف ما كان عليه سابقاً، في ظل ارتفاع أسعار الأسلاك والقطع الكهربائية.

أم ليث، وهي معلمة تعتمد على سيارة قديمة للذهاب إلى مدرستها في الريف، تقول إن سيارتها أصبحت مصدر قلق دائم. “كل صوت غريب أخاف أن يكون عطلاً جديداً، لأنني أعرف أن أي تصليح سيستنزف راتبي”، تضيف بحسرة. وتشير إلى أنها فكرت أكثر من مرة ببيع السيارة، لكنها تراجعت لعدم وجود بديل عملي في ظل ضعف المواصلات العامة.

ويرى متابعون أن أزمة إصلاح السيارات في درعا تعكس أزمة أوسع تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، إذ باتت السيارة، التي كانت وسيلة لتسهيل الحياة، عبئاً إضافياً على الأسر. ومع غياب الرقابة على أسعار قطع الغيار وأجور الورشات، تختلف التكلفة من مكان إلى آخر، ما يفتح الباب أمام الاستغلال أحياناً.

في ظل هذا الواقع، يلجأ بعض أصحاب السيارات إلى تأجيل الإصلاحات غير الضرورية، أو الاكتفاء بالحد الأدنى الذي يسمح للسيارة بالعمل، حتى لو كان ذلك على حساب السلامة. آخرون يركنون سياراتهم جانباً ويعودون إلى وسائل نقل بديلة، رغم محدوديتها.

وبين سيارة قديمة تحتاج إلى إصلاح، وقطع غيار نادرة وباهظة، وأجور تصليح متصاعدة، يجد سكان درعا أنفسهم أمام تحدٍ جديد يضاف إلى أعباء حياتهم اليومية، حيث بات الحفاظ على مركبة صالحة للسير رفاهية لا يقدر عليها الجميع.

- Advertisement -

- Advertisement -