لكل السوريين

دمشق والكرد: خيوط حضارة منسية تعود لتنسج النسيج الدمشقي

دمشق، أقدم عاصمة مأهولة بالسكان بلا انقطاع، تحمل بين جدرانها وأزقتها القديمة حكايات شعوب متعددة وحضارات متعاقبة. المدينة التي تشتهر ببواباتها السبعة وأسماء شوارعها التي تحمل عبق الشمس والكواكب، لا تكتفي بأن تكون عاصمة سياسية واقتصادية، بل هي متحف حي لتاريخ الثقافات التي تعايشت على أرضها. وبين كل هذا، يبرز حضور الكرد كخيط ممتد في نسيج العاصمة، يمتد من قلب الأحياء القديمة داخل السور إلى الضواحي الجديدة، تاركًا بصماته في كل زاوية من زوايا الحياة الثقافية والاجتماعية.

أزقة دمشق: حكاية تتجاوز العصور

من أي بوابة دخلت دمشق، ستجد التاريخ يهمس في أركان المدينة. في الجورة، القشلة، القيمرية، تسمع صدى العصور الأيوبية، وأسماء مثل أبي الفوارس ابن موسك القيمري، ووالد زوجة صلاح الدين الأيوبي، الأمير ناصر الدين القيمري، تذكّرك بتاريخ حضاري عريق. وإذا خرجت نحو أحياء دمشق الجديدة، يقابلك حي ركن الدين المعروف بـ”حي الأكراد”، بالإضافة إلى الصالحية وساروجة والمهاجرين والمزة وكفرسوسة. في هذه الأزقة، تختلط اللهجات، وتتلاقى الثقافات، وتظهر في الأحاديث اليومية بالشارع أو في مقاهي المدينة، حيث يدندن أحدهم أغنية على نغمات الطنبورة، بينما يتحدث آخر باللغة الكردية، لتصبح دمشق لوحة موسيقية متعددة الألوان.

الأكراد في دمشق: تاريخ طويل وجذور ممتدة

يشكل الأكراد ثاني أكبر جماعة عرقية في سورية، ولهم تاريخ طويل في العاصمة. يُعد حي ركن الدين نموذجًا حيًا للحضور الكردي، حيث تأسس في العهد الأيوبي عام 1174 على يد الأمير الكردي ركن الدين منكورس، أحد قادة جيش صلاح الدين الأيوبي، الذي بنى المدرسة الركنية والمسجد الركني، ودُفن فيه لاحقًا. الأكراد سكنوا أيضاً أحياء القيمرية، الصالحية، الشيخ خالد، صلاح الدين، ساروجة، كفرسوسة، والمزة.

وفي ستينيات القرن الماضي، شهدت دمشق موجة كبيرة من هجرة الأكراد من الجزيرة السورية إلى العاصمة بعد الإحصاء الحكومي الذي جرّدهم من الجنسية وأخذ أراضيهم الزراعية، إلا أن جذورهم في سورية تعود إلى قرون مضت، حيث أسسوا أحياء كاملة في المدن الكبرى.

شهادة حيّة: يقول عبد الله عيسى، من حي زورآفا:

“نشأت أنا وأصدقائي وسط قصص الأجداد عن هجرتهم وكيفية تأسيسهم للمنازل والأحياء، وهذا ما يجعلنا نحس أننا جزء من تاريخ دمشق. كل حجر هنا يحكي عن صمود شعب ساهم في بناء المدينة.”

العائلات الكردية: نسيج هوية دمشق

لعبت العائلات الكردية دورًا محوريًا في الحياة الدمشقية، من الأدب والثقافة إلى السياسة والدين. أبرز هذه العائلات:

آل رشي: من أبرز الفنانين، مثل عبد الرحمن آل رشي.

آل كفتارو: أحمد كفتارو، مفتي عام سورية.

آل الصاحب النقشبندي: نشروا الطريقة النقشبندية في دمشق، ومنها الشيخ خالد النقشبندي.

آل العابد: نساء رائدات مثل نازك العابد، أسست مصنع سجاد يدوي ومجلة “نور الفيحاء”.

آل بكداش: سياسيون بارزون، مثل خالد بكداش، زعيم الحزب الشيوعي، ورشدي بكداش، محافظ دمشق.

آل الزعيم: من أبرزهم حسني الزعيم، رئيس سورية الأسبق.

شهادة: تقول الصحفية والفنانة الكردية ريم كرد علي:

“دمشق منحتنا الإلهام دائمًا، هنا تعلمنا الفن والسياسة والثقافة. كل أسرة كردية لها بصمة واضحة في المدينة، حتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية.”

الإرث الصناعي والفني: بين البروكار والموسيقى

الحرفيون الكرد ساهموا في بناء الصناعات التقليدية الدمشقية. في حي النوارة، برز الحرفي إبراهيم شكاكي في صناعة “البروكار”، أرقى الأقمشة الدمشقية المصنوعة من الذهب والفضة والحرير الطبيعي. ويُرجح أن الاسم مستمد من الكردية: “برو” تصغير لإبراهيم، و”كار” أي عمل.

في الموسيقى، يواصل فنانون مثل نزار كرد علي ونجوانة شقيقته أداء التراث الكردي بالدمشقية، ممزوجًا بالأنغام المحلية، ليصبح جزءًا لا يتجزأ من الحراك الفني للمدينة.

شهادة فنية: يقول حسن ظاظا، من حي ركن الدين:

“الموسيقى الكردية في دمشق ليست مجرد أغاني، إنها ذاكرة المدينة، كل نغمة تروي قصة، وكل مقطوعة تحمل عبق التاريخ.”

الأدوار السياسية والاجتماعية

الأكراد لعبوا أدوارًا بارزة في السياسة السورية، فقد برز منهم رؤساء مثل حسني الزعيم، أديب الشيشكلي، شكري القوتلي، وفوزي سلو، ووزراء دفاع مثل أحمد نظام الدين، ويوسف العظمة الذي استشهد في معركة ميسلون ضد الاحتلال الفرنسي.

كما أن الأكراد ساهموا في الحياة الثقافية والتعليمية، من بينهم الأديب والمؤرخ محمد كرد علي، رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق، الذي أسس مجلة “المقتبس” في مصر، وعاد لتولي وزارة المعارف.

الحراك الثقافي المعاصر

اليوم، تشهد دمشق عودة الحراك الثقافي الكردي، مع افتتاح مراكز لتعليم اللغة الكردية، وجمعيات تهتم بالتراث والفنون، مثل جمعية عثمان صبري في حي وادي المشاريع، وجمعية صلاح الدين الأيوبي للثقافة واللغات في ركن الدين.

شهادة ناشط ثقافي: تقول ليلى محمد من جمعية عثمان صبري:

“الجيل الجديد من الشباب الكردي يسعى لإعادة صياغة هويته، من خلال تعلم اللغة، والتاريخ، والفنون. نحن نعيد النسيج الثقافي الذي كان جزءًا من دمشق لقرون.”

مدينة تتسع للجميع

دمشق، بأزقتها القديمة، ومقاهيها، وأحيائها متعددة الثقافات، تبدو اليوم أكثر استعدادًا لتقبل ذاتها الحقيقية، والتصالح مع تعدد سكانها. عودة الأكراد لتصدر المشهد الثقافي ليست حدثًا طارئًا، بل استعادة للنسيج التاريخي الممتد، كما يقول عبد الله عيسى:

“هذه المدينة لنا جميعًا. كل جيل يضيف خيطًا جديدًا في نسيجها المتنوع.”

- Advertisement -

- Advertisement -