لكل السوريين

غياب النقابات في درعا: عمال بلا صوت ومستقبل بلا حماية

درعا/ رجاء مختار

حيث تصطف المصانع الصغيرة والمتاجر في أزقة درعا الضيقة، يشعر كثير من العمال بأنهم بلا سند، بلا حماية، وبلا صوت يمكنه الدفاع عن حقوقهم. على الرغم من مرور سنوات على إعادة الاستقرار النسبي إلى المنطقة، يبقى غياب النقابات العمالية عن المشهد الاقتصادي والاجتماعي واضحاً، مما يترك العاملين في مواجهة ظروف صعبة ومستقبل غير مضمون.

خالد، شاب في الخامسة والعشرين من عمره، يعمل في مصنع للمنتجات البلاستيكية منذ خمس سنوات، يروي عن تجربته: “راتبي ضعيف، وأحياناً لا تُدفع المستحقات في مواعيدها، لكن لا أحد يستمع إلينا. لو كان هناك نقابة، ربما كنا نعرف حقوقنا ونطالب بها بشكل رسمي”.

خالد ليس وحده، فالمئات من العمال في درعا يشعرون بنفس الإحباط، حيث يواجهون ساعات عمل طويلة دون أي حماية قانونية أو اجتماعية، ويجدون أنفسهم مضطرين لقبول أي عمل مقابل أجر زهيد لتأمين قوت يومهم.

غياب النقابات أثر بشكل مباشر على النساء العاملات أيضاً. سارة، موظفة في مصنع للملابس بمدينة درعا، تقول: “نحن معرضات للفصل دون أي سبب، ولا توجد جهة نتحدث إليها. بعض الزميلات تعرضن للتحرش ولم تستطع أي واحدة منهن تقديم شكوى. لو كانت هناك نقابة، ربما كان الوضع مختلفاً”.

القصص المشابهة تتكرر في كل مكان، من ورش النجارة إلى محلات المخابز، حيث يشعر العمال بأن صوتهم لا يصل إلى أي جهة رسمية قادرة على حماية حقوقهم.

حتى في القنيطرة، حيث تراجعت حدة النزاعات، يظل الوضع نفسه. حسن، سائق سيارة أجرة، يوضح: “الضرائب على سياراتنا مرتفعة، وبعض الجهات تفرض رسومًا إضافية بشكل مفاجئ. لا توجد نقابة تحمينا، لذلك كل منا يحاول أن يدبر أمره بنفسه.” ويضيف أن العمل في قطاع غير منظم يعني أن أي مشكلة قانونية أو مالية تقع على عاتق العامل وحده، دون أي دعم أو استشارة متخصصة.

غياب النقابات لا يؤثر فقط على حقوق العمال اليومية، بل يمتد تأثيره إلى القضايا الصحية والاجتماعية. المرض أو الإصابة في مكان العمل قد يعني توقف الدخل بالكامل، لأنه لا يوجد تأمين أو تعويض، ولا وجود لجمعيات أو نقابات تقدم الدعم. محمد، عامل بناء تعرض لكسر في ساقه أثناء العمل، يروي: “لم أستطع الذهاب إلى الطبيب على الفور، لأنني لا أملك المال، ولا يوجد من يغطي مصاريف العلاج. لو كان هناك اتحاد أو نقابة، ربما كنا نتلقى مساعدة ولو بسيطة.”

من جهة أخرى، غياب النقابات يفتح المجال لاستغلال العمال من قبل أصحاب الأعمال، الذين يعرفون أن العمال لا يستطيعون المطالبة بحقوقهم. أمينة، موظفة في مكتب إداري، تقول: “نحن نعمل ساعات إضافية كثيرة، لكن لا توجد أي مستحقات إضافية، ولا أحد يستطيع التحدث باسمنا. كل شيء يعتمد على ما يقرره صاحب العمل.” وتضيف أن هذه الممارسات أصبحت شبه طبيعية، لأن العمال اعتادوا على عدم وجود حماية رسمية أو جماعية.

المحاولات الفردية لتشكيل نقابات صغيرة أو جمعيات حماية حقوقية غالباً ما تواجه عراقيل كبيرة، سواء من الناحية الإدارية أو الاجتماعية. أحمد، شاب حاول تأسيس جمعية عمالية صغيرة في درعا، يقول: “واجهنا رفضاً شبه كامل من السلطات المحلية، وقالوا لنا إن الأمور تسير بشكل طبيعي ولا حاجة لأي نقابات. حاولنا تنظيم لقاءات لتثقيف العمال بحقوقهم، لكن معظمهم خائف من أي رد فعل من أصحاب العمل.”

وبالرغم من كل هذا، لا يزال هناك أمل لدى بعض العمال في أن تتغير الأمور. المجتمع المدني في درعا والقنيطرة بدأ يشهد بروز مبادرات صغيرة لتوعية العاملين بحقوقهم ومساعدتهم على تنظيم أنفسهم، حتى لو لم تكن هذه المبادرات نقابية رسمية. هذه المبادرات توفر ورش عمل قانونية، جلسات توعية حول حقوق العمال، وحتى محاولة الضغط على الجهات الرسمية لفتح مسارات قانونية للدفاع عنهم.

لكن التحديات كبيرة، والواقع يقول إن بدون نقابات قوية وممثلة، سيبقى العمال في درعا والقنيطرة على هامش الحقوق، معرضين للاستغلال، ومحرومين من صوت جماعي يمكنه المطالبة بتحسين ظروفهم المعيشية. وتجارب خالد وسارة وحسن ومحمد وأمينة تؤكد أن غياب النقابات ليس مجرد مسألة تنظيمية، بل قضية حياتية تؤثر على الأمن المادي والصحي والاجتماعي لمئات الآلاف في الجنوب السوري.

يظل السؤال الكبير: متى سيجد العمال في درعا والقنيطرة صوتاً قوياً يمثلهم، وينقل معاناتهم ويضغط من أجل حقوقهم؟ مع استمرار غياب النقابات، ستبقى هذه المعاناة اليومية حاضرة، وستظل قصص العمال شاهدة على واقع صعب يحتاج إلى حلول عاجلة ومستدامة.

- Advertisement -

- Advertisement -