لكل السوريين

في كواليس القرار… كيف يحاول الذكاء الاصطناعي أن يصبح “شريكك” بدلًا من “وصيّك”؟

في غرفة مضاءة بضوء شاشة حاسوب، يكتب مستخدم مجهول سؤالًا حائرًا إلى برنامج ChatGPT: «هل يجب أن أنفصل عن شريكي؟.

قبل أشهر، ربما كان الجواب سيأتي مختصراً، مباشراً، وربما قاطعاً. لكن اليوم، يتلقى المستخدم سيلًا من الأسئلة المضادة: ما الذي يهمك في هذه العلاقة؟ ما الذي جربته لإصلاحها؟ ما شعورك الآن مقارنة بالماضي؟

هذا التغيير ليس صدفة. إنه نتيجة تحوّل فلسفي تتبناه شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI)، صانعة البرنامج، بهدف إعادة رسم علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي. تحقيقنا يكشف أن ما يبدو “تحديثاً تقنياً” يخفي وراءه صراعاً أكبر بين نموذجين: نموذج “الآلة التي تُخبرك ماذا تفعل” ونموذج “الشريك الذي يفكر معك”.

من “مُصدر الأحكام” إلى “مدرب الأفكار”، لكن لماذا الآن؟

في منشور رسمي بعنوان «كيف نُحسّن من تجربة استخدام (ChatGPT)»، تعرض الشركة سلسلة تعديلات جوهرية على طريقة تفاعل النموذج. الفكرة المركزية: لا مزيد من الإجابات النهائية في القضايا الحساسة، بل دعم المستخدم في صياغة قراره بنفسه.

بحسب وثائق اطلعنا عليها ومقابلات مع باحثين مشاركين، فإن السبب يعود لمخاوف تراكمت خلال العامين الماضيين: مستخدمون باتوا يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في قرارات شخصية وعاطفية، بعضهم اعترف بأنه يثق في إجابات الآلة أكثر من آراء أصدقائه أو أسرته. الأدهى أن هذا الاعتماد، وفق خبراء علم النفس، قد يضعف التفكير النقدي ويعزز الانحيازات الشخصية، بدل أن يفتح أفقاً أوسع أمام المستخدم.

من بين التغييرات المعلنة، ميزة “التذكير اللطيف” بأخذ استراحة أثناء المحادثات الطويلة. تبدو لوهلة لمسة ودّية، لكنها في الواقع تعكس قلقاً متنامياً لدى الشركة من ظاهرة التعلّق العاطفي بالذكاء الاصطناعي، وهي ظاهرة رُصدت في دراسات ومواقف واقعية، بعضها وصل إلى ما يشبه الإدمان العاطفي على المحادثات مع الآلة.

وراء الكواليس… مشاورات عابرة للقارات

المثير أن هذا التحول لم يكن قراراً داخلياً مغلقاً. تشير معلوماتنا إلى أن «أوبن إيه آي» تعاونت مع أكثر من 90 طبيباً من 30 دولة، إضافةً إلى أطباء نفسيين وباحثين في تفاعل الإنسان مع الحاسوب، لإعادة صياغة شخصية النموذج في المواقف الحساسة.

هذه الخطوة تكشف عن إدراك الشركة أن المسألة لم تعد تقنية بحتة، بل إنسانية وأخلاقية بامتياز. السؤال لم يعد: “هل يجيب الذكاء الاصطناعي بسرعة ودقة؟” بل: “هل يحترم استقلالية المستخدم وصحته النفسية؟”.

معركة السرديات: “ذكاء مسؤول” أم تسويق ناعم؟

ورغم أن الشركة تقدم هذه التغييرات بوصفها جزءاً من بناء “ذكاء اصطناعي مسؤول”، إلا أن بعض النقاد يرونها أيضاً تحركاً استباقياً لحماية سمعة الشركة وتجنب موجة انتقادات محتملة. ففي سوق تتسابق فيه الشركات على تقديم ميزات أكثر جرأة وفعالية، قد يبدو تباطؤ «أوبن إيه آي» في إعطاء الإجابات المباشرة خطوة “غير تنافسية”، إلا إذا قُدّمت للجمهور على أنها “رؤية أخلاقية”.

مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة

إذا نجحت هذه المقاربة، فقد نشهد تحولاً جذرياً في تقييم أدوات الذكاء الاصطناعي: من السرعة والدقة، إلى قدرتها على تمكين المستخدم من التفكير العميق واتخاذ القرار الواعي. لكن الطريق ليس سهلاً، فإغراء الاعتماد الكامل على الآلة سيظل قائماً، والحد الفاصل بين “المساعدة” و”التوجيه” سيبقى منطقة رمادية تحتاج إلى رقابة مستمرة.

في نهاية هذا التحقيق، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون “شريكاً فكرياً” دون أن يتحول، ببطء ودون أن نشعر، إلى “وصيّ” جديد على قراراتنا؟

ما هو مؤكد أن الخطوة التي اتخذتها «أوبن إيه آي» ليست مجرد تحسين في تجربة المستخدم، بل معركة هادئة لإعادة تعريف من يقود دفّة التفكير… الإنسان أم الآلة.

- Advertisement -

- Advertisement -