خلايا “داعش” تعيد اختبار المشهد الأمني في سوريا.. هجمات متفرقة تكشف هشاشة الاستقرار
67 هجوماً خلال سبعة أشهر و53 قتيلاً.. نشاط التنظيم يتركز في الشرق السوري وسط مخاوف من استغلال الفراغات الأمنية وإعادة بناء الشبكات السرية
مع دخول عام 2026 شهره الثامن، عاد ملف تنظيم “داعش” إلى واجهة المشهد الأمني السوري، بعد سلسلة هجمات متفرقة نفذتها خلاياه في مناطق عدة، لتؤكد أن التنظيم، رغم خسارته سيطرته المكانية قبل سنوات، ما يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ عمليات نوعية تعتمد على أسلوب حرب العصابات والخلايا النائمة، مستفيداً من التعقيدات الأمنية والجغرافية التي تشهدها البلاد.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن النشاط الحالي للتنظيم يختلف عن مرحلة سيطرته السابقة، إذ لم يعد يسعى إلى فرض نفوذ جغرافي واسع، بل يركز على استنزاف القوى الأمنية والعسكرية عبر الكمائن والاغتيالات وزرع العبوات الناسفة والهجمات الخاطفة، بهدف إرباك الخصوم وإثبات استمرار وجوده.
وبحسب توثيق المرصد السوري لحقوق الإنسان، نفذت خلايا التنظيم منذ مطلع عام 2026 وحتى نهاية تموز، ما لا يقل عن 67 هجوماً في مناطق مختلفة من سوريا، أسفرت عن مقتل 53 شخصاً، بينهم 39 عنصراً من القوات التابعة للحكومة السورية الانتقالية، إضافة إلى مسؤول في جهاز الأمن الدبلوماسي، و8 من عناصر التنظيم، و6 مدنيين، فضلاً عن إصابة عشرات الأشخاص، بينهم مدنيون وأطفال.
الشرق السوري في صدارة الاستهداف
تكشف خريطة الهجمات أن محافظة دير الزور ما تزال تمثل مركز النشاط الأبرز لخلايا التنظيم، مستفيدة من الطبيعة الصحراوية الممتدة على جانبي نهر الفرات، وتشابك الحدود الإدارية، وصعوبة مراقبة المساحات المفتوحة.
وجاءت محافظتا الرقة وحلب في المرتبتين الثانية والثالثة من حيث عدد العمليات، بينما سجلت هجمات متفرقة في الحسكة وإدلب وحمص وحماة ودمشق وريفها، وهو ما يعكس انتشاراً جغرافياً للخلايا، وإن كان بوتيرة متفاوتة بين منطقة وأخرى.
ويرى متابعون أن بادية سوريا الممتدة بين حمص ودير الزور والرقة ما تزال تشكل الملاذ الأهم لعناصر التنظيم، حيث تمنحهم التضاريس الصحراوية حرية الحركة وإمكانية تنفيذ هجمات مباغتة قبل الانسحاب إلى مناطق يصعب الوصول إليها.
تصاعد لافت في آذار
وتظهر الإحصاءات الشهرية أن شهر آذار سجل أعلى معدل للهجمات منذ بداية العام، مع تنفيذ 22 عملية، بينما توزعت بقية الهجمات على الأشهر اللاحقة بمعدلات متفاوتة.
وتنوعت العمليات بين استهداف الحواجز العسكرية، والكمائن على الطرق، والاغتيالات الفردية، والعبوات الناسفة، والهجمات المباشرة على مواقع أمنية، إلى جانب محاولات استهداف مدنيين في بعض المناطق، ما يعكس اعتماد التنظيم على تكتيكات مرنة تتلاءم مع محدودية أعداده مقارنة بالسنوات السابقة.
لماذا يستمر التنظيم؟
يرى باحثون في شؤون الجماعات المتشددة أن استمرار نشاط “داعش” يرتبط بعدة عوامل متداخلة، أبرزها اتساع الرقعة الجغرافية التي يصعب ضبطها، وتعدد القوى العسكرية المسيطرة على الأرض، واستمرار الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة، إضافة إلى وجود شبكات دعم لوجستي محدودة تساعد الخلايا على التنقل وتأمين احتياجاتها الأساسية.
كما يشير مختصون إلى أن التنظيم يعتمد اليوم على هيكلية لامركزية، تمنح مجموعاته الصغيرة هامشاً واسعاً للتحرك واتخاذ القرار، الأمر الذي يجعل القضاء الكامل عليها أكثر تعقيداً من مواجهة تنظيم تقليدي يمتلك قيادة مركزية واضحة.
المدنيون يدفعون الثمن
ورغم أن معظم العمليات استهدفت قوات أمنية وعسكرية، فإن المدنيين لا يزالون من بين أبرز المتضررين، سواء نتيجة التفجيرات أو إطلاق النار العشوائي أو وجود العبوات الناسفة في المناطق الزراعية والطرق الفرعية، فضلاً عن تأثير التوتر الأمني على حركة السكان والأنشطة الاقتصادية.
ويحذر عاملون في المجال الإنساني من أن استمرار الهجمات يفاقم معاناة المجتمعات المحلية، ويزيد من صعوبة تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار وتحسين الخدمات، خصوصاً في المناطق الشرقية التي تعاني أساساً من تحديات معيشية كبيرة.
تحديات أمام السلطات
ورغم تنفيذ حملات أمنية متكررة لملاحقة خلايا التنظيم، فإن وتيرة الهجمات تشير إلى أن المعالجة العسكرية وحدها قد لا تكون كافية للقضاء على التهديد بشكل كامل.
ويؤكد خبراء أمنيون أن الحد من نشاط التنظيم يتطلب استراتيجية شاملة تجمع بين العمل الاستخباراتي، وتعزيز التنسيق الأمني بين مختلف المناطق، وتشديد الرقابة على طرق الإمداد، إلى جانب معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي قد تستغلها الجماعات المتشددة في عمليات التجنيد.
مخاوف من مرحلة جديدة
ويرى مراقبون أن استمرار الهجمات خلال الأشهر السبعة الأولى من العام يعكس انتقال التنظيم إلى مرحلة تعتمد على الاستنزاف طويل الأمد، بدلاً من السيطرة المباشرة على الأراضي، وهو نهج سبق أن اتبعه في عدة دول بعد خسارة معاقله الرئيسية.
وفي ظل استمرار التحديات الأمنية في مناطق متفرقة من سوريا، يبقى منع إعادة تشكل شبكات التنظيم أحد أبرز الملفات التي تواجه السلطات، وسط تحذيرات من أن أي فراغ أمني أو تراجع في التنسيق قد يمنح الخلايا فرصة لتوسيع نشاطها ورفع وتيرة عملياتها خلال المرحلة المقبلة.