كرمة السويداء تحتضر بصمت.. الريف يخسر شجرته وذاكرته
من نقوش العنب القديمة إلى بساتين تتقلص مساحاتها.. حكاية زراعة لم تكن مجرد مصدر رزق، بل جزءاً من هوية المحافظة وذاكرتها الشعبية
في السويداء، لا تبدو الكرمة مجرد شجرة مثمرة تنتظر موسم القطاف، بل جزءاً من المشهد الذي تشكلت حوله حياة أجيال متعاقبة. فمنذ القدم ارتبط العنب بأرض المحافظة، وترك حضوره في تفاصيل الحياة اليومية، وفي الصناعات المنزلية، وفي العادات المرتبطة بالمواسم، حتى أصبح من الصعب الحديث عن الريف السويدائي من دون استحضار صورة الكروم المتوزعة بين القرى والمرتفعات.
وتشير المصادر الزراعية إلى أن زراعة الكرمة من أقدم الزراعات في السويداء، وأنها تنتشر في مناطق واسعة من المحافظة، بينها الكفر ومياماس والسهوة وعرمان وقنوات وشهبا وغيرها. كما عُرفت أصناف محلية متعددة، من بينها السلطي بأنواعه والبلدي والحلواني والأسود.
ذاكرة تبدأ من الكروم
ارتبط العنب في الذاكرة المحلية بأكثر من موسم زراعي. فمع اقتراب القطاف كانت العائلات تستعد لموسم مختلف، لا يقتصر على جمع الثمار، وإنما يمتد إلى تحويل جزء منها إلى منتجات بقيت حاضرة في المطبخ الشعبي، وفي مقدمتها دبس العنب والزبيب.
وهذه الصناعات التقليدية ليست مجرد طرق لحفظ محصول سريع التلف، بل تمثل معرفة شعبية انتقلت بين الأجيال. فالكرمة كانت تمنح الأسرة ثماراً تؤكل طازجة، ومنتجات يمكن تخزينها، ومادة تدخل في صناعات محلية ارتبط بعضها بالريف السويدائي منذ عقود طويلة.
ولهذا فإن تراجع زراعة الكرمة لا يعني خسارة محصول زراعي فقط، وإنما يحمل معه احتمال تراجع جزء من المعرفة المرتبطة به، من طرق العناية بالشجرة إلى أساليب التصنيع المنزلي والعادات الاجتماعية التي رافقت موسم القطاف.
من 14 ألف هكتار إلى نحو 9 آلاف
رغم استمرار السويداء في كونها من أهم مناطق إنتاج العنب في سوريا، فإن مساحات زراعة الكرمة شهدت تراجعاً واضحاً على مدى العقود الماضية. وتشير بيانات زراعية إلى أن المساحة التي كانت تقارب 14 ألف هكتار عام 2000 انخفضت إلى نحو 9 آلاف هكتار في السنوات اللاحقة.
ولم يكن هذا التراجع نتيجة عامل واحد. فقد ساهم انتشار حشرة الفيلوكسيرا في إلحاق أضرار بمساحات من بساتين الكرمة، فيما اتجه بعض المزارعين إلى اقتلاع الكرمة وزراعة التفاح بدلاً منها، بحثاً عن مردود اقتصادي أفضل وإمكانية تخزين المحصول لفترة أطول.
كما شكّل ضعف منافذ التسويق مشكلة مستمرة أمام مزارعي العنب، ولا سيما أن المحصول سريع التلف ولا يملك المزارع دائماً القدرة على تخزينه وانتظار تحسن الأسعار. ومع غياب قنوات تسويق مستقرة، يجد المنتج نفسه مضطراً في كثير من الأحيان إلى بيع محصوله في وقت قصير، ما يزيد من قوة التجار والوسطاء في تحديد الأسعار.
حين تصبح الكرمة عبئاً على صاحبها
المفارقة أن السويداء ما زالت تنتج عشرات آلاف الأطنان من العنب سنوياً، لكن ارتفاع تكاليف الزراعة يجعل استمرار هذه المهنة أكثر صعوبة بالنسبة إلى بعض المزارعين.
وفي أحدث تقديرات منشورة، قُدّر متوسط إنتاج المحافظة بنحو 50 ألف طن سنوياً، بينما أشارت بيانات أخرى إلى إنتاج بلغ نحو 54 ألف طن في موسم 2024. وفي المقابل، تجاوزت تكلفة إنتاج الدونم الواحد من الكرمة ثلاثة ملايين ليرة في موسم 2026 وفق تقديرات نقلتها صحيفة «الحرية»، وسط ارتفاع تكاليف التقليم والفلاحة والرش والنقل.
وهنا لا تعود المشكلة مرتبطة بقدرة الشجرة على الإنتاج، وإنما بقدرة المزارع على الاستمرار. فحين ترتفع كلفة خدمة البستان بينما يبقى تسويق المحصول غير مضمون، يصبح القرار الاقتصادي أكثر صعوبة، وقد يدفع ذلك بعض المزارعين إلى تقليص المساحات أو البحث عن زراعات بديلة.
الكرمة بين التراث والسوق
تحتاج زراعة العنب في السويداء، إذا أريد لها أن تبقى جزءاً من مستقبل المحافظة، إلى النظر إليها باعتبارها قطاعاً متكاملاً لا مجرد محصول موسمي. فالإنتاج الكبير لا يكفي إذا لم ترافقه صناعة قادرة على استيعاب المحصول، وأسواق منظمة، ووسائل تخزين وتصنيع حديثة.
وقد سبق أن طُرحت مقترحات لتطوير زراعة الكرمة، من بينها الانتقال من أساليب التربية التقليدية إلى أساليب حديثة، وتأمين غراس مقاومة للفيلوكسيرا، ودعم إنشاء وحدات تجفيف وتطوير الصناعات القائمة على العنب. كما أشارت مصادر زراعية إلى أن طرق التربية الحديثة يمكن أن ترفع الإنتاجية مقارنة بالأساليب التقليدية.
لكن البعد الاقتصادي ليس وحده ما يستحق الانتباه. فحين تختفي الكروم من بعض الأراضي، تختفي معها تدريجياً صورة من صور الريف القديم، وحين يتراجع تصنيع الدبس والزبيب المنزلي، تتراجع أيضاً معرفة تراكمت عبر أجيال.
لذلك تبدو حماية كرمة السويداء مسؤولية تتجاوز المزارع وحده. إنها مسؤولية مرتبطة بحماية مورد اقتصادي، وصون حرفة غذائية تقليدية، والحفاظ على جزء من الذاكرة الاجتماعية للمحافظة.
فالكرمة التي عاشت طويلاً في أرض السويداء لا تحتاج إلى الاحتفاظ بمكانها في كتب التاريخ فقط، بل إلى سياسات تجعل زراعتها قابلة للحياة من جديد. وإلا فقد يأتي يوم لا تختفي فيه العناقيد من البساتين فحسب، بل تختفي معها حكايات موسم القطاف، ورائحة الدبس، وأيدي الأجداد التي عرفت كيف تحول ثمار الكرمة إلى جزء من هوية المكان.