مع اقتراب انتهاء مهلة استبدال الليرة السورية القديمة في 30 تموز، تتصاعد شكاوى السكان في محافظات ومناطق شمال وشرق سوريا بسبب غياب مراكز رسمية لاستبدال العملة، ما يضطر آلاف المواطنين إلى السفر لمسافات طويلة نحو محافظات أخرى لإتمام معاملاتهم، في مشهد يعكس التفاوت في الوصول إلى الخدمات المالية بين المناطق السورية.
ورغم إعلان مصرف سوريا المركزي تحقيق تقدم كبير في عملية استبدال العملة، فإن سكان محافظات مثل الرقة ودير الزور والحسكة، إضافة إلى مناطق واسعة خارج سيطرة الحكومة، يؤكدون أنهم واجهوا صعوبات كبيرة خلال الأشهر الماضية نتيجة عدم توفر مراكز معتمدة داخل مناطقهم، الأمر الذي حمّلهم أعباء مالية إضافية وتكاليف نقل وإقامة، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بالتنقل بين المحافظات.
أشهر من الاستبدال… وخدمات غائبة
بدأت عملية استبدال العملة ضمن خطة أعلنها مصرف سوريا المركزي لإخراج الإصدارات القديمة من التداول وإحلال الليرة السورية الجديدة مكانها، في إطار ما وصفه بخطة لإعادة تنظيم الكتلة النقدية وتعزيز الثقة بالنظام المالي.
لكن، وعلى الرغم من مرور عدة أشهر على انطلاق العملية، بقيت مراكز الاستبدال محصورة في مناطق محددة، بينما لم تُفتتح مراكز رسمية في محافظات شمال وشرق سوريا، ما دفع العديد من المواطنين إلى اللجوء إلى المحافظات الأخرى لإتمام عمليات الاستبدال، أو الاعتماد على وسطاء وشركات صرافة، الأمر الذي أثار مخاوف من تعرض البعض للاستغلال أو الخسائر.
ويرى مواطنون أن المشكلة لا تقتصر على تكاليف السفر فقط، بل تشمل أيضاً كبار السن والمرضى والموظفين وأصحاب الدخل المحدود الذين يصعب عليهم مغادرة مناطقهم لإتمام إجراءات مصرفية يفترض أن تكون متاحة لجميع السوريين.
انتهاء التداول… وبداية مرحلة السحب
وأكد مصرف سوريا المركزي أن مهلة استبدال الأوراق النقدية القديمة تنتهي في 30 تموز 2026، لتفقد بعدها الليرة القديمة قوتها الإبرائية، أي أنها لن تعود صالحة للتداول أو لتسوية أي معاملات مالية داخل البلاد.
وأوضح المصرف أن مرحلة جديدة ستبدأ اعتباراً من 31 تموز، تمتد لمدة خمس سنوات، تتيح للمواطنين سحب قيمة الأوراق النقدية القديمة، لكن حصراً عبر مصرف سوريا المركزي في دمشق، باعتباره الجهة الوحيدة المخولة باستقبال طلبات السحب.
وبحسب التعليمات الجديدة، يشترط ألا يقل عدد الأوراق النقدية المقدمة عن 100 ورقة من أي فئة، على أن تُحوّل القيمة المستحقة بعد التدقيق إلى حساب مصرفي بالليرة السورية الجديدة، دون فرض أي رسوم أو عمولات أو ضرائب.
كما شدد المصرف على أن المقصود بمصطلح “الليرة السورية” في جميع التعاملات الرسمية اعتباراً من 31 تموز هو الليرة السورية الجديدة فقط، داعياً المواطنين إلى الاعتماد على القنوات الرسمية للحصول على المعلومات، وعدم الانجرار وراء الشائعات.
أكثر من 80 بالمئة… لكن التحديات مستمرة
وكان حاكم مصرف سوريا المركزي، محمد صفوت رسلان، قد أعلن في وقت سابق أن نحو 80 بالمئة من الكتلة النقدية القديمة جرى استبدالها، معتبراً أن العملية تسير وفق الخطة الموضوعة، وأنها تمثل خطوة مهمة ضمن برنامج إصلاح السياسة النقدية وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي.
ويشير مختصون في الشأن الاقتصادي إلى أن استبدال العملة يعد إجراءً طبيعياً تلجأ إليه الدول لتحديث الإصدارات النقدية، إلا أن نجاحه يعتمد على سهولة وصول المواطنين إلى مراكز الاستبدال، وضمان شمول جميع المناطق بالخدمة دون تمييز.
مخاوف من سوق سوداء
ويرى خبراء اقتصاديون أن تمديد فترة السحب لمدة خمس سنوات يمنح المواطنين فرصة كافية لتسوية أوضاعهم، لكنه قد يفتح في الوقت نفسه الباب أمام ظهور سوق سوداء لتداول الأوراق النقدية القديمة أو استبدالها بخصومات، إضافة إلى احتمال استغلال بعض الأطراف لهذه المهلة لإدخال أموال مجهولة المصدر إلى الدورة المالية، ما يستدعي تشديد إجراءات التدقيق والرقابة خلال المرحلة المقبلة.
كما يؤكد مختصون أن المرحلة التالية لانتهاء التداول ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة مصرف سوريا المركزي على إدارة السياسة النقدية، وضبط حركة السيولة، ومنع أي ممارسات قد تؤثر في استقرار السوق أو ثقة المواطنين بالإجراءات الجديدة.
مطالب بتوسيع مراكز الخدمة
وفي ظل اقتراب انتهاء المهلة، تتزايد مطالب الأهالي بإنشاء مراكز رسمية لاستقبال طلبات استبدال وسحب العملة في مختلف المحافظات، أو اعتماد آليات تتيح للمواطنين إنجاز معاملاتهم عبر المصارف العامة أو شركات الصرافة المرخصة، بما يخفف عنهم أعباء السفر ويضمن عدالة الوصول إلى الخدمات المالية.
ويرى متابعون أن نجاح عملية استبدال العملة لا يقاس فقط بنسبة الأوراق التي جرى سحبها من الأسواق، بل أيضاً بقدرة الدولة على إيصال الخدمة إلى جميع المواطنين أينما كانوا، بما يرسخ الثقة بالإجراءات النقدية ويجنب شريحة واسعة من السوريين تكاليف إضافية كان بالإمكان تفاديها.