أحرزت المحادثات الأميركية الإيرانية الأخيرة تقدمًا أوليًا في ملفين شديدي الحساسية إقليميًا، هما أمن الملاحة في مضيق هرمز وتهدئة الساحة اللبنانية، في خطوة قد تمهد لمرحلة تفاوضية أوسع بين واشنطن وطهران خلال الفترة المقبلة.
وبحسب ما أعلن الوسطاء، فقد أسفرت الجولة الأولى من المباحثات التي استضافتها سويسرا وبمشاركة وساطة قطرية وباكستانية عن تفاهمات أولية تتضمن وضع خارطة طريق للوصول إلى اتفاق نهائي خلال ستين يومًا، مع استمرار اللقاءات الفنية لبحث التفاصيل.
ويشير هذا المسار إلى رغبة متبادلة بين الطرفين في الحفاظ على قنوات الحوار، رغم استمرار الخلافات العميقة حول ملفات عدة، أبرزها البرنامج النووي الإيراني، العقوبات، والنفوذ الإقليمي.
مضيق هرمز.. اختبار الثقة الأول
احتل ملف أمن مضيق هرمز موقعًا بارزًا في المفاوضات، نظرًا لأهميته في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. وكان المضيق خلال الفترة الماضية نقطة توتر رئيسية بين الولايات المتحدة وإيران، وسط مخاوف من تأثير أي اضطراب فيه على الأسواق الدولية.
وجاءت المحادثات في ظل تصعيد سياسي متبادل، بعد تهديدات متكررة بشأن حرية الملاحة واحتمال اتخاذ إجراءات عسكرية أو اقتصادية، قبل أن تنجح الوساطات في دفع الطرفين نحو تفاهم يضمن استمرار حركة السفن وإنشاء آليات اتصال لتجنب الأزمات المستقبلية.
وانعكس ذلك سريعًا على الأسواق، مع تراجع المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة، ما أعاد بعض الاستقرار إلى توقعات قطاع النفط.
لبنان في قلب التفاهمات
إلى جانب ملف هرمز، شكل الوضع اللبناني أحد أبرز محاور النقاش، حيث اتفق الجانبان على العمل باتجاه احتواء التصعيد وإنهاء العمليات القتالية، في محاولة لمنع توسع دائرة المواجهة الإقليمية.
وتسعى واشنطن إلى ربط أي تقدم في علاقتها مع طهران بقدرة الأخيرة على التأثير في حلفائها في المنطقة، وفي مقدمتهم “حزب الله”، بينما تؤكد إيران أن أي تسوية في لبنان يجب أن تشمل وقف التصعيد الإسرائيلي وضمان مصالح حلفائها.
وفي هذا السياق، اعتبرت تصريحات أميركية أن الملف اللبناني بات جزءًا من مسار أوسع يهدف إلى تثبيت التهدئة وتقليل احتمالات الانفجار الإقليمي.
خلافات لم تُحسم بعد
ورغم التقدم في ملفي هرمز ولبنان، لا تزال الطريق أمام اتفاق شامل مليئة بالعقبات، خصوصًا فيما يتعلق بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية.
وتطالب طهران بخطوات اقتصادية قبل الانتقال إلى مفاوضات تفصيلية حول برنامجها النووي، وتشمل هذه المطالب تخفيف القيود على الاقتصاد الإيراني وفتح المجال أمام استئناف بعض الأنشطة التجارية والاستثمارية.
في المقابل، ترى واشنطن أن أي حوافز اقتصادية يجب أن تكون جزءًا من مسار تفاوضي يضمن التزامات إيرانية في الملفات الأمنية والإقليمية.
وساطة إقليمية وفرصة سياسية
ويلعب الدور القطري والباكستاني دورًا مهمًا في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين الطرفين، خصوصًا في ظل حساسية الملفات المطروحة وارتفاع مستوى التوتر خلال الأشهر الماضية.
ويكشف الاتفاق على خارطة طريق زمنية أن واشنطن وطهران لا تكتفيان بإدارة الأزمات الحالية، بل تحاولان اختبار إمكانية بناء تفاهمات أكثر استقرارًا على المدى الطويل.
وبينما تمثل تفاهمات هرمز ولبنان خطوة أولى نحو خفض التصعيد، فإن نجاحها يبقى مرتبطًا بقدرة الطرفين على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه وتجاوز الخلافات الكبرى.
فإذا تحولت التفاهمات الحالية إلى إجراءات عملية، فقد تشهد المنطقة تحولًا سياسيًا مهمًا يعيد ترتيب العلاقة بين واشنطن وطهران. أما في حال تعثرت عملية التنفيذ، فقد تعود الأزمات إلى الواجهة وتتحول التفاهمات إلى مجرد هدنة مؤقتة في صراع مستمر.