درعا/ رجاء مختار
إلى أن تهدأ الموسيقى وتذوي أصوات المرح احتفى الحاضرون في قرية عابدين بريف درعا الغربي بزفاف دام طوال الليل؛ لكن ما كان يفترض أن يكون أسعد لحظات العمر تحوّل إلى مأساة عندما انفجرت قنبلة في ساحة العرس، أدّت إلى إصابات خطيرة وخسائر في الأرواح.
لم يكن هذا الحادث معزولاً، بل كان انعكاساً لواقع مأساوي تتخبط فيه محافظة درعا منذ سنوات: السلاح المنفلت الذي انتشر بين المدنيين دون ضوابط واضحة أو سيطرة مركزية، ما جعل الاحتفالات والمناسبات تتحوّل إلى مسارح لرعب لا مبرّر له.
حسب تقارير مراقبين محليين، شهد العام 2025 وحده أكثر من مئتي حادثة إطلاق نار عشوائي أو انفجار أسلحة بين المدنيين في مخيمات وبلدات درعا، أدّت إلى سقوط مئات الضحايا من بينهم أطفال ونساء، في وقت لم تعلن فيه السلطات المحلية بعد عن أرقام دقيقة كاملة. سلاح بسيط أو مدوّر، قذائف مخبأة في المنازل، ذخيرة متروكة من سنوات القتال السابقة — كلها تسرّب إلى حياة الناس اليومية وحوّلت فرح العرس في المضرج إلى مأساة عائلية لا تُنسى.
في قرية السرّية المجاورة لعابدين، يتذكر أبو ياسر، وهو مزارع في الخمسين من عمره، كيف كان الأطفال يعثرون على ذخائر أثناء لعبهم في الحقول. يقول بصوتٍ مملوء بالحزن: “الأسلحة ليست فقط تلك التي تطلق في الاحتفالات — إنما حتى الذخيرة المتروكة في الأرض تحمل الموت في كل زاوية. لقد رأيت أبناء أولادنا يعودون بعيون فارغة بعد انفجار مفاجئ بينما كانوا يلهون بالقرب من مخلفات الحرب”.
القضية ليست جديدة في درعا، فقد كانت القوات الأمنية المحلية وأجهزة الأمن الداخلي تشن حملات متكررة على امتداد الأشهر الماضية لجمع السلاح غير المرخّص وملاحقة حامليه، في محاولة للحدّ من الانفلات الأمني الذي يُهدّد السلامة العامة. خلال الأسبوع الماضي فقط، أطلقت الأجهزة الأمنية حملة واسعة في مدينة جاسم والريف الشمالي من المحافظة بهدف مصادرة الأسلحة العشوائية وإلقاء القبض على المطلوبين.
هذه الحملات تأتي في سياق جهود واسعة تقودها الحكومة السورية الجديدة للسيطرة على السلاح المنتشر بين المدنيين في جميع أنحاء البلاد، خصوصاً في الجنوب. ففي بصرى الشام وحوض اليرموك خرجت دوريات لمداهمة مخابئ أسلحة، حيث صادرت ذخائر وأسلحة متنوعة في ظل استمرار وقوع حوادث عنف.
وفي منتصف العام، أعلن الأمن الداخلي التابع للحكومة الانتقالية عن ضبط مستودع صواريخ مخفي في إحدى المزارع في ريف المدينة الغربي، يحمل صواريخ “غراد” وغيرها من المواد المتفجّرة التي لو لم تُكتشف لكانت وجهت إلى تهريب غير معروف الغاية.
لكن بينما تشكّل هذه الحملات خطوة مهمة نحو حصر السلاح بيد الدولة، فإنها تواجه تحديات ضخمة في الواقع المحلي. المجتمعات في درعا لا تزال تحمل ذكريات حربٍ دموية، ولبعض المقاتلين السابقين، حمل السلاح يعني – في نظرهم – درع حماية عائلاتهم ومجتمعاتهم من التهديدات المحتملة. هذه النظرة تُعرّض الكثيرين للانزلاق في دوّامة عنف عشوائي بسبب خلافات صغيرة أو نزاعات شخصية.
تحت ظلال هذه الحقائق، تعيش عائلات بأكملها تحت وطأة خوفٍ مستمر. أم سلمى، وهي أرملة من درعا البلد، تروي كيف فقدت ابنها الوحيد عندما كان ينظّف بندقيته القديمة داخل المنزل دون خبرة، فانفجر السلاح فجأة وأودى بحياته. تقول بمرارة: “لم يكن هذا السلاح لحماية أحد، لقد كان عبئاً ثقيلاً على حياتنا. نريد أن نعيش كأي شعب آخر بلا بنادق في كل زاوية.” مثل هذه القصص تكررت مئات المرات في أحياء درعا ومخيّماتها، وغالباً دون أن تجد حلّاً جذرياً.
جهود نزع السلاح لا تواجه فقط المقاومة من بعض أصحاب الأسلحة، بل أيضاً إشكالية الثقة بين المجتمع والأجهزة الأمنية. في بعض القرى، يعتبر السكان أن حمل السلاح يوفر لهم قدراً من الحماية الذاتية في غياب وجود أمني قوي أو فعّال، في حين يرى آخرون أن استمرار انتشار السلاح يُعطّل أي فرصة لبناء دولة مستقرة وسيادة للقانون. هذا الانقسام يضع الحكومة أمام تحدٍ مزدوج: كيف تجمع الأسلحة العشوائية دون أن تثير مخاوف الناس من انعدام الحماية؟
وسط هذه التوترات، يبقى السؤال الأكبر: كيف يمكن ضمان أمنٍ حقيقي في درعا؟ بالنسبة للمجتمعات المحلية، فإن الإجابة تكمن في تنفيذ استراتيجية شاملة تتضمن جمع السلاح، توفير بدائل أمان فعّالة، وتعزيز الثقة بين المواطنين والدولة. أما بالنسبة للحكومة، فالتحدّي يكمن في توحيد الاجراءات وتطبيقها بشكل يمنع التمييز أو الانحياز، ويضمن احترام حقوق السكان أثناء تنفيذ حملات الضبط.
حادثة انفجار القنبلة في العرس في عابدين، التي بدأت على إيقاع فرح وتحوّلت إلى مأساة، ليست مجرد حادث عابر، بل نداء للسلطات والمجتمع المدني على حدّ سواء للتعامل بجدية مع مشكلة السلاح المنفلت في درعا، قبل أن تُكلّف المجتمع مزيداً من أرواح أبرياء وذكريات مليئة بالحزن. في النهاية، الحُلم الذي يتوق إليه الجميع — وطنٌ يسوده القانون وتنتفي فيه الذخائر في ساحات الأعراس — لا يزال ينتظر أن يُصبح واقعاً.