تقرير/ بسام الحمد
في شوارع حمص وحماة، وعلى أطراف القرى التي مزقتها الحرب، تظهر بوضوح ندوب لا تمحى على أجساد وعقول السوريين الذين تحولوا من شباب وحالمين إلى مشوهي الحرب من أصحاب الإعاقات الدائمة. خلف هذه الوجوه المكلومة تقف معاناة طويلة مليئة بالأمل المتقطع، والوعود الرسمية التي تتأرجح بين التحسن النظري والواقع المعيشي الصعب.
في أحد أحياء حمص القديمة، يقف فيصل، شاب في الثانية والثلاثين من عمره، أمام مرآته في غرفة متواضعة مستأجرة بعد أن فقد ساقه في انفجار عبوة قرب منزله قبل سنوات. يقول وهو يلمس بقايا الألم على جسده: “ما تركت الحرب في جسدي النتيجة فقط… بل تركتني بلا عمل ولا أمل في مستقبل واضح. عندما وعدونا بالدعم… لم نتوقع أن يكون الكلام فقط”، مثل كثيرين، فقد فيصل كل مدخراته وأصبح يعتمد على مساعدات بسيطة من أهل الخير والمجتمع المحلي فقط، بينما يبقى الحصول على دعم حقيقي أو خدمات صحية متقدمة حلماً بعيد المنال.
لم تتوقف معاناة مشوهي الحرب عند الأبواب المغلقة أمام الدعم الصحي، بل امتدت إلى البعد الاجتماعي والوظيفي. في حي الزهراء بحماة، تجلس سارة، شابة في الثامنة والعشرين من عمرها، بجانب نافذة منزلها المتهالك، تحكي عن أخيها عمر الذي فقد إحدى يديه في قصف استهدف سوقاً مزدحماً قبل أكثر من خمس سنوات.
وتقول سارة: “ما زال أخي يشعر بأنه عبء علينا… لا يوجد برنامج تدريبي يؤهّله لسوق العمل، وكل محاولة للحصول على عمل تفشل لأن أصحاب العمل يخشون توظيف شخص معاق”، في حالة عمر، مثل كثير من مصابي الحرب، ليس الألم الجسدي فقط ما يعيشه، بل الإحباط الذي يصاحب ارتباطه بالهوية الجديدة التي فرضتها جراح الحرب على حياته.
رغم كل هذا، تحاول الحكومة تقديم بعض المبادرات لدعم مشوهي الحرب، حيث بدأت في تجهيز مراكز تأهيل وتدريب مهني لأصحاب الإعاقات في مختلف المحافظات، بما فيها حمص وحماة، لتقديم خدمات علاجية وإعادة تأهيل بدني ونفسي. إلا أن هذه الجهود تظل محدودة مقارنة بحجم الحاجة الحقيقية، إذ يحتاج آلاف المشوهين إلى دعم طويل الأمد، سواء من حيث العلاج الفيزيائي أو البرامج النفسية أو التدريب المهني الذي يمكّنهم من الانخراط مجدداً في الحياة العملية.
في أحد الأيام المشرقة نسبياً في مدينة حماة، تشاهد فاطمة، أم في الأربعين من عمرها، ابنتها الصغيرة ريم التي أصيبت بالشلل النصفي بعد انفجار قذيفة قرب المدرسة التي كانت تدرس فيها.
تقول فاطمة بصوت يعتصره الألم: “أحياناً أرى في عيونها سؤالاً لم تستطع أن تنطقه، لماذا أنا هكذا؟ كأنها تحمل جرحاً لا يزول كالندب في قلب كل أسرة سورية”، تمضي ريم يومها بصعوبة بين أروقة مركز تأهيل بسيط، في انتظار علاج أكثر تخصصاً لا تستطيع والدتها تأمينه بسبب التكاليف العالية ونقص الدعم المؤسسي.
التحديات التي تواجه مشوهي الحرب لا تقتصر على الجانب الصحي فقط، بل تمتد إلى فقدان الكثير منهم الخدمات التعليمية والتدريبية التي تسمح لهم بالمشاركة في الحياة العملية.
وفي حمص وحماة، تظهر بعض المبادرات المجتمعية الصغيرة، حيث ينظم الشباب مع أسر المصابين ورش عمل في الحرف اليدوية والخياطة والتصوير الفوتوغرافي، ليس فقط لتوليد دخل بسيط، بل لإعادة الثقة لهؤلاء الأفراد بأن لهم دوراً في المجتمع. يسميها البعض “ورش الأمل الصغير”، وهي محاولة متواضعة لمكافحة الإقصاء الاجتماعي الذي يتعرض له مشوهو الحرب منذ سنوات.
في الوقت نفسه، تواجه هؤلاء تحديات نفسية كبيرة، إذ تعكس كل جراحة أو فقدان عضو في الجسم مشاعر الخذلان والغضب، والاغتراب عن المجتمع الذي لم يعد يستطيع توفير الحياة الكريمة لهم كما كانت قبل الحرب. كثيرون من المصابين يجدون أنفسهم عالقين بين واقع مؤلم وعالم أحلام مهجور، يحاولون التكيف مع الحياة اليومية بطرق مبتكرة أحياناً، مثل الاعتماد على وسائل نقل بسيطة أو تعلم مهارات جديدة تتيح لهم المساعدة في المنزل أو توليد دخل محدود.
بين الألم والجروح، وبين المبادرات الحكومية المحدودة والمجهودات المجتمعية المتواضعة، يظل الطريق أمام مشوهي الحرب طويلاً وشاقاً. إعادة البناء في سوريا لا يمكن أن تكتمل إلا حين يشمل كل فرد، لا سيما أولئك الذين تركتهم الحرب مشوهين في أجسادهم وذكرياتهم، ليصبحوا جزءاً فعالاً في إعادة الحياة إلى المدن التي شهدت خراباً عميقاً وأثرت جراحها في كل بيت.