لكل السوريين

“اللبن الخاثر” في ريف الرقة… غذاءٌ أصيل وتراثٌ متجدد رغم غلاء الأعلاف

الرقة/ حسن الشيخ

يشكّل “اللبن الخاثر” واحداً من أقدم وأهم المنتجات الغذائية في ريف الرقة، إذ يحتفظ بمكانة خاصة في الذاكرة الشعبية وبُعدٍ تراثي متجذّر لدى سكان المنطقة.

ويزداد الاهتمام به في هذه الفترة من السنة، المعروفة محلياً بموسم ولادات الأغنام أو “الرغث”، حيث تتزايد كميات الحليب تدريجياً بعد فطم الصغار، فتعود صناعة “اللبن الخاثر” لتزدهر في القرى والبوادي.

ويُعدّ “اللبن الخاثر” جزءاً أساسياً من المائدة الريفية، ووجبة متوارثة منذ أجيال، لما يتمتع به من قيمة غذائية عالية وطعم طبيعي يميّزه عن المنتجات الصناعية.

ويشهد هذا الموسم إقبالاً ملحوظاً على شرائه، إذ يتراوح سعر الكيلوغرام الواحد بين 15 و17 ألف ليرة سورية، وهو سعر يراه مربّو الأغنام مناسباً قياساً بجهودهم ومصاريفهم، لكنه في المقابل لا يخفّف عنهم بالكامل وطأة غلاء الأعلاف.

جودة مستمدة من المراعي الطبيعية

يتميّز “اللبن الخاثر” المنتج في ريف الرقة بجودته العالية وقوامه المتماسك ونكهته الطبيعية، وهي خصائص ترتبط مباشرة بطبيعة المراعي التي تعتمد عليها القطعان.

فالأغنام تتغذى غالباً على النباتات البرية المتنوعة المنتشرة في أراضي الريف، مثل الشيح والقيصوم والبابونج البري، مما يمنح الحليب خصائص غذائية مميّزة ويعزز كثافة الدهن فيه. ويؤكد المربون أن اللبن المنتج في هذا الموسم يتمتع بمستوى جيد من الجودة نتيجة اعتماد القطعان بشكل كبير على الرعي الطبيعي بعد موسم مطري ملائم.

لا يُنظر إلى إعداد “اللبن الخاثر” بوصفه عملية إنتاج غذائي فحسب، بل يُعدّ طقساً تراثياً ارتبط بالهوية الثقافية لأهالي الريف، فقد درجت نساء القرى تقليدياً على تحضيره في “القِرب” الجلدية أو في أوانٍ خاصة تُستخدم منذ عقود طويلة، وتُخضّ حتى يصل اللبن إلى قوامه المرغوب.

وعلى الرغم من انتشار الوسائل الحديثة، ما زال كثير من الأهالي يفضّلون الطرق التقليدية ويعتبرون أن لها تأثيراً جوهرياً على النكهة وجودة المذاق.

ويحضر ”اللبن الخاثر” في مجالس الضيافة الريفية، ويُقدَّم مع الخبز الساخن أو مع وجبات الحبوب المحلية، ليشكّل جزءاً أصيلاً من العادات الاجتماعية ومن ذاكرة المائدة الرقاوية.

ارتفاع أسعار الأعلاف… عبء يرهق المربين

إلا أنّ هذا المشهد التراثي والغذائي لا يخلو من تحديات اقتصادية متصاعدة، أبرزها الارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف، وهو أمر بات يشكّل عبئاً ثقيلاً على المربين، خاصة أولئك الذين يمتلكون قطعاناً صغيرة. فمع تقلّص المراعي الطبيعية في بعض المناطق وعدم كفايتها لتأمين غذاء القطيع طوال العام، يضطر كثير من المربين إلى شراء الأعلاف بأسعار مرتفعة، مما يقلل من أرباحهم رغم جودة المنتجات وارتفاع الطلب عليها.

ويشير مربّون في ريف الرقة إلى أنّ سعر اللبن الحالي، على الرغم من كونه مقبولاً، لا يعوّض تماماً عن تكاليف التربية، بدءاً من الأعلاف مروراً بالأدوية البيطرية وانتهاءً بمصاريف الرعي والنقل، الأمر الذي يجعل استمرار هذه المهنة يتطلب دعماً أكبر، أو توفير بدائل علفية بأسعار مناسبة.

ورغم الصعوبات، يبقى اللبن الخاثر موسماً اقتصادياً مهماً لآلاف الأسر الريفية التي تعتمد على بيع كميات يومية منه في الأسواق أو للمستهلكين مباشرة. ويزداد الإقبال عليه عاماً بعد عام، سواء لطعمه التقليدي أو لقيمته الغذائية أو لكونه منتجاً طبيعياً خالياً من الإضافات الصناعية.

كما أعاد تزايد الطلب عليه تسليط الضوء على أهمية حماية المراعي الطبيعية ودعم قطاع تربية الأغنام، باعتبارهما جزءاً من الأمن الغذائي المحلي ومن استدامة التراث الغذائي في المنطقة.

- Advertisement -

- Advertisement -