لكل السوريين

الضربات الأمريكية على فنزويلا.. امتداد للصراع القديم بين البلدين أم غطاء سياسي للتنافس بين القوى العظمى

رغم ردود الفعل الدولية الواسعة، واستنكار جماعات حقوق الإنسان العمل العسكري المكثف في أمريكا اللاتينية، والتحذير من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى تصعيد خطير في المنطقة، برّر الرئيس الأميركي الضربات التي وجهتها بلاده لعدة زوارق قرب فنزويلا بالقول “هذه الزوارق تستخدمها عصابات إرهابية لنقل مخدرات خطيرة”.

ولوّح ترامب خلال حديثه للصحفيين في البيت الأبيض، بهجمات برية قريبة، وأشار إلى وجود “أمور أخرى يجري تحضيرها” وسيتم الكشف عنها لاحقا.

وبدوره، قال الرئيس الفنزويلي في خطاب تزامن مع إعلان واشنطن احتجاز ناقلة نفط كبيرة قبالة سواحل فنزويلا، إن بلاده “مستعدة لكسر أنياب الإمبراطورية الأميركية الشمالية إذا لزم الأمر”.

ويفسر مراقبون تصعيد الضربات العسكرية على فنزويلا، والحشد الأميركي الكبير حولها، بأنه امتداد للصراع الطويل بين البلدين، ولكن أميركا تضع له عناوين تخفي أهدافها الحقيقية، حيث تقول واشنطن إن تحركها في الكاريبي جزء من حملة موسّعة لمكافحة تهريب المخدرات.

ويؤكد الادّعاء الأميركي “أن الرئيس الفنزويلي وحلفاءه استغلّوا مؤسسات الدولة لتسهيل تهريب الكوكائين وتمويل جماعات مسلحة، مما جعل تجارة المخدرات أداة للإكراه السياسي والعنف برعاية الدولة”، رغم أن تحقيقات وكالات الاستخبارات الأميركية، دحضت هذه الرواية.

ووفق تقرير إدارة مكافحة المخدرات الأميركية هذا العام، فإن 84% من الكوكائين المصادَر في الولايات المتحدة جاء من كولومبيا، مما يدفع المحللين للاعتقاد بأن قضية المخدرات تشكل غطاء سياسياً للتنافس بين القوى العظمى، حيث أصبحت فنزويلا في عهد مادورو، وبدعم من الصين وروسيا، بؤرةً للمحور المناهض لسيطرة أميركا على نصف الكرة الغربي.

من التصعيد إلى التهديد  

تعهد الرئيس ترامب بمحاربة عصابات المخدرات على البر بالطريقة نفسها المتّبعة في البحر،

وقال في تصريحات للصحفيين من البيت الأبيض “قريباً جداً سنبدأ تنفيذ ذلك على البر أيضاً”،

وقالت المتحدثة باسم البنتاغون “إن عملية القضاء على تجار المخدرات الإرهابيين في نصف الكرة الغربي بدأت الآن”.

وأطلقت الخارجية الأميركية تحذيراً لمواطنيها من السفر إلى فنزويلا، ودعت المقيمين فيها إلى مغادرتها.

وجاء في التحذير “يُنصح بشدّة جميع المواطنين الأمريكيين والمقيمين الدائمين في فنزويلا بمغادرة البلاد فوراً”.

من جهة أخرى، صعّدت التصريحات الأميركية من حدة التوتر في المنطقة، حيث قال الرئيس الأميركي إن “أيام نيكولاس مادورو على رأس فنزويلا باتت معدودة”.

ويأتي هذا التهديد المباشر في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً متصاعداً، يثير مخاوف المراقبين من تصعيد قد يخرج عن السيطرة.

وبدورها اعتبرت كاراكاس الإجراءات العسكرية الأميركية استفزازية، وتهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة، ووصفت هذه الإجراءات بأنها “انتهاك للاتفاقيات الدولية التي تنص على وضع منطقة البحر الكاريبي كمنطقة منزوعة السلاح وخالية من الأسلحة النووية.

ردود الفعل

تصاعدت ردود الفعل الدولية على سلسلة الضربات العسكرية الأمريكية التي استهدفت قوارب عديدة في المياه الدولية قبالة سواحل أمريكا اللاتينية.

وأثارت هذه الضربات، التي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 87 شخصاً، إدانات دولية واسعة،

حيث أعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه من هذه الضربات التي تستهدف قوارب يشتبه أنها لمهربي المخدرات في مياه أمريكا اللاتينية، وقال “القانون الدولي لا يتوافق مع هذا النوع من الضربات”.

وأضاف أنطونيو غوتيريش أنه لا يؤيد اللجوء إلى الحلول العسكرية للوضع الراهن، ودعا إلى “تجنب المواجهة في البحر الكاريبي التي قد تكون لها عواقب أكثر دراماتيكية بكثير من الضربات الحالية”.

وحذر خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة من أن هذه العمليات قد ترقى إلى مستوى “الإعدامات خارج نطاق القضاء” و”الجرائم الدولية المحتملة”، وأكدوا على أن الأفراد المتهمين “يجب أن يتم اعتقالهم ومحاكمتهم بدلاً من إعدامهم بإجراءات موجزة”.

ودعت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى الضغط على الولايات المتحدة لوقف هذه “الإعدامات غير القانونية في البحر” والالتزام بسيادة القانون.

وصرح رئيس كولومبيا بأن “أحد القوارب التي استهدفتها الولايات المتحدة لم يكن فنزويلياً، بل كولومبياً وكان على متنه مواطنون كولومبيون”.

وأشارت كل من الصين والبرازيل وفرنسا وإيران والمكسيك وروسيا ودول أخرى، إلى أن الضربات الأمريكية “تنتهك القانون الدولي”.

جذور الصراع

تدهورت العلاقات بين أميركا وفنزويلا منذ عام 1999، عندما تولى هوغو شافيز رئاسة بلاده بعد انتخابات ديمقراطية، وأطلق ثورته التي اعتمدت سياسة “مناهضة الإمبريالية وإعادة توزيع الثروة” مما وضعه في مواجهة مع المصالح الأميركية في أميركا اللاتينية.

وتصاعد الصراع حول ثروة فنزويلا النفطية، منذ عام 2007، حيث بدأت فنزويلا في تأميم الصناعة النفطية، مما اضطر بعض الشركات الأميركية إلى القبول بحصص صغيرة، وبيع حصص من استثماراتها لشركة البترول المملوكة للدولة، والعمل تحت سيطرتها، ورفضت شركات أميركية أخرى الأمر، مما دفع فنزويلا إلى مصادرة ممتلكاتهما.

وعندما رفعت هذه الشركات دعاوى قضائية للمطالبة بتعويضات، هدد شافيز بقطع صادرات النفط عن أميركا، التي كانت تتلقى آنذاك ما يقرب من 1.5 مليون برميل يومياً من فنزويلا.

وفي عام 2002، دعمت الولايات المتحدة محاولة الانقلاب الفاشلة التي سعت للإطاحة بشافيز، وتنصيب رجل الأعمال الموالي لواشنطن بيدرو كارمونا رئيسا للبلاد، مما ساهم في تفاقم توتر العلاقات بين البلدين، وعززت هذه الأحداث تصورات فنزويلا بشأن الطموحات الإمبريالية الأميركية، فردّ شافيز بتوطيد علاقات بلاده مع خصوم الولايات المتحدة ، عبر شراء أسلحة روسية بمليارات الدولارات، والترحيب بالاستثمارات الصينية، وضمّ فنزويلا إلى “المحور المناهض للإمبريالية الأميركية”.

يذكر أن واشنطن اتهمت السلطات الفنزويلية بعدم بذل جهود كافية لمكافحة تهريب المخدرات، ونشرت البحرية الأميركية مجموعة من السفن بقيادة حاملة الطائرات جيرالد آر فورد وغواصة نووية وأكثر من 16 ألف جندي في البحر الكاريبي.

ومنذ شهر أيلول الماضي، أغرقت القوات الأميركية ما لا يقل عن عشرين قارباً في المنطقة، مما أسفر عن مقتل أكثر من 85 شخصاً.

وفي التاسع والعشرين من الشهر الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إغلاق المجال الجوي فوق فنزويلا، وأفادت وسائل الإعلام الأمريكية بشكل متكرر أن الولايات المتحدة قد تبدأ قريبا في شن ضربات على أراضي فنزويلا.

- Advertisement -

- Advertisement -