حلب/ خالد الحسين
لا يزال خطر الألغام يشكل تهديداً حقيقياً لحياة المدنيين في محافظة حلب، حيث تواصل هذه الآفة حصد الأرواح بشكل مستمر، خاصة في المناطق التي شهدت معارك عنيفة خلال السنوات الماضية. وتبرز مناطق الريف الجنوبي والغربي من المحافظة ضمن الأكثر تضرراً، إذ تمت زراعة آلاف الألغام من قبل الأطراف المتنازعة على مدار سنوات الحرب، ما جعلها مناطق خطرة يصعب العودة إليها أو العمل فيها.
في قرية بلاس الواقعة في ريف حلب الجنوبي، روى أبو صالح، أحد سكان القرية، مأساة فقدان أحد أبنائه نتيجة انفجار لغم أثناء رعيه للأغنام في الأراضي المجاورة.
وقال أبو صالح بأسى: “فقدنا الكثير من أبنائنا وأقاربنا بسبب الألغام. كان ابني يعمل مثل غيره من الشباب في رعي الأغنام، ولم يكن يعلم أن الأرض التي يرعى فيها مليئة بالألغام. نطالب الحكومة بنزع هذه الألغام لكي نتمكن من العودة إلى حياتنا الطبيعية وكسب رزقنا دون الخوف من كل خطوة نخطوها”.
ولا تقتصر المأساة على الريف الجنوبي، إذ يمتد خطر الألغام إلى الريف الغربي لحلب أيضاً، وتحديداً في بلدة خان العسل التي شهدت العديد من العمليات العسكرية خلال السنوات السابقة.
وتحدّث خليل العلي، أحد سكان البلدة، عن حادث مأساوي أصاب أحد جيرانه قائلاً: “في محاولة جاره لحرث الأرض لزراعة القمح، انفجر لغم في الأرض، مما أدى إلى وفاته. لم نحرث الأرض منذ قرابة تسع سنوات لأنها كانت خطوط تماس في السنوات السابقة. نطالب الجهات المعنية بإزالة الألغام حتى نتمكن من العودة إلى زراعة الأراضي التي تعتبر مصدر رزقنا الأساسي”.
ولا يقتصر تأثير الألغام على التهديد المباشر للحياة البشرية، بل يشكّل أيضاً عائقاً كبيراً أمام إعادة تأهيل الأراضي الزراعية، التي تمثل المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة للعديد من العائلات في أرياف حلب.
وفي هذا السياق، دعا ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي إلى ضرورة قيام الحكومة والجهات المختصة بتحديد المناطق الخطرة ووضع علامات واضحة تحذّر من وجود حقول ألغام، إلى جانب تكثيف حملات التوعية بين السكان المحليين، خصوصاً في القرى والمناطق التي لم يتم مسحها أو تنظيفها بعد.
وتحدثت سارة سليمان، إحدى أعضاء منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال التوعية بمخاطر الألغام، عن الجهود المبذولة في هذا المجال قائلة: “نقوم بنشر التوعية بين الناس حول كيفية تجنب مناطق الألغام، لكن للأسف عملنا لا يغطي كافة المناطق، والمخاطر لا تزال موجودة في مناطق كثيرة من الريف. هناك حاجة ماسة لجهود أكبر من قبل الجهات المعنية، حيث أن خطر الألغام يستمر في حصد الأرواح، وكل يوم نسمع عن ضحايا جدد. نحن بحاجة إلى مجتمع واعٍ لمواجهة هذه الآفة، وتعاون أكبر من السلطات والمنظمات لتسريع عملية نزع الألغام”.
وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها المنظمات المحلية والدولية في محافظة حلب، إلا أن خطر الألغام ما زال قائماً، وسط مطالبات متكررة من الأهالي والمنظمات بضرورة تكثيف العمل الميداني لإزالتها وتحقيق السلامة العامة للسكان المحليين.
وتشير الحوادث اليومية التي تقع بسبب الألغام إلى أن الحرب لم تنتهِ فعلياً بالنسبة لكثير من سكان الريف الحلبي، الذين لا يزالون يعيشون تحت وطأة الخوف من الموت في أي لحظة. وبينما تبقى الجهود الحالية محدودة مقارنة بحجم الخطر، يعوّل السكان على أن تتضافر جهود الحكومة والمنظمات الدولية لإنهاء هذه المأساة المستمرة، وإعادة الأمان والاستقرار إلى الريف الحلبي بعد سنوات طويلة من المعاناة.