اللاذقية/ يوسف علي
عاد طرح اللامركزية الإدارية والسياسية ليحتل صدارة النقاش السوري، خاصة بعد تصريحات القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، الذي يرى فيها “الحل الأمثل لسوريا المستقبل” ونظام الحكم الأنسب لبلد متعدد الثقافات والإثنيات.
ويأتي هذا الطرح في ظل استمرار تبعات الحرب السورية وتزايد معاناة المناطق، ومنها الساحل الذي شهد في الأشهر الأخيرة أحداثاً مؤلمة وتهميشاً واضحاً على مختلف المستويات.
وفي هذا السياق، حصلت صحيفة “السوري” على عدد من استطلاعات الرأي التي رصدت آراء مختصين في مجالات القانون والطب والتعليم والنشاط المدني حول أهمية هذا الطرح الذي قدمه قائد قوات سوريا الديمقراطية ونتائجه المحتملة على الداخل السوري، مع تركيز خاص على منطقة الساحل التي تشهد نقاشاً واسعاً حول انعكاسات تطبيق نظام اللامركزية فيها.
يرى عدد من الحقوقيين أن اللامركزية، خاصة السياسية منها، تحمل في طياتها فرصة لضمان حقوق المكونات المحلية ومنع تكرار أنماط الاستبداد والتهميش التي مورست في ظل الحكم المركزي.
المحامي محمد داوود، وهو حقوقي ومحامٍ دولي، قال: “جوهر اللامركزية هو تقاسم السلطة والثروة محلياً، وهذا يضمن ألا تكون مصائر المناطق رهينة قرار مركزي واحد، ما يقلل من احتمالات الاضطهاد الإداري والفصل التعسفي للموظفين الذي عانت منه مناطق مثل الساحل. لكن الخطورة تكمن في غياب التوافق الوطني الشامل، فإذا فُرضت من طرف واحد، ستُفهم كخطوة تقسيم، لا كحل دستوري”.
أما الأكاديميون والمفكرون، فيرون أن النظام اللامركزي يمكن أن يكون منطلقاً لتنمية متوازنة في جميع المحافظات، لكنه يثير في الوقت ذاته هواجس مرتبطة بوحدة البلاد.
الدكتور جواد ديوب، أستاذ في الاقتصاد الدولي، أوضح أن “التهميش الذي عانت منه مناطق مثل الساحل يعود بشكل كبير لتركيز الموارد وصنع القرار في العاصمة. اللامركزية الإدارية، على الأقل، تمنح المحافظات صلاحية إدارة خدماتها وتوزيع ثرواتها بشكل أكثر كفاءة ومحلية. التحدي الأكبر هو تجاوز المخاوف من التقسيم، والتي تغذيها الجهات الخارجية الضيقة للوحدة بدلاً من مفهوم ‘دولة المواطنة’ الجامعة”.
ويرى الأطباء أن اللامركزية يمكن أن تحسّن الخدمات الصحية وتوطّنها، خاصة بعد التجربة المريرة خلال الأزمة.
الدكتورة يارا حسن، طبيبة وناشطة في المجال الصحي والإنساني، قالت: “في الساحل وغيره، عانت المستشفيات والمراكز الصحية من نقص حاد في التجهيزات والكوادر بسبب بيروقراطية القرار المركزي في دمشق. اللامركزية يمكن أن تتيح للمحافظات تخصيص ميزانيتها الصحية الخاصة وتدريب وتوظيف كوادرها المحلية، مما يحسن جودة الرعاية الطبية ويستجيب بشكل أسرع للكوارث والأوبئة، وهذا ضروري جداً لإنهاء التمييز في الخدمات”.
أما الناشطون المدنيون فيرون أن اللامركزية تفتح الباب أمام ديمقراطية تشاركية حقيقية، لكنهم يحذرون من استبدال استبداد المركز باستبداد محلي.
الناشط الإنساني علي نصور من محافظة اللاذقية قال: “اللامركزية الإدارية والمالية هي مفتاح لإنهاء الفساد والاضطهاد الناتج عن المركزية المفرطة، مثل الفصل التعسفي للموظفين على خلفيات سياسية أو طائفية. لكننا نطالب بضمانات دستورية تمنع أن تتحول الصلاحيات اللامركزية إلى سلطة احتكارية جديدة في يد نخبة محلية”.
وتكتسب اللامركزية أهمية خاصة في منطقة الساحل التي عانت خلال السنوات الماضية من أحداث عنف ومجازر وتهميش إداري واقتصادي، إضافة إلى سياسات فصل للموظفين على أسس غير مهنية.
وتتركز مخاوف بعض المكونات على أن تؤدي اللامركزية، وخاصة الفيدرالية أو السياسية منها، إلى “شرعنة للتقسيم” أو تشكيل “كانتونات” تزيد من عزلة المنطقة وضعفها، أو أن تُستغل كغطاء لتنفيذ أجندات ضيقة بعيدة عن التطلعات الوطنية الجامعة.
في المقابل، يرى الداعمون أن الحكم اللامركزي يشكل ميثاق الحفاظ على ألوان المجتمع السوري وهويته الموحدة، وهو الطريق الأمثل لإدارة الخصوصية المحلية للأقاليم كافة، وخاصة الساحل السوري، ومنحه الحق في إدارة موارده كالموانئ والثروات الطبيعية، وتحقيق عدالة التوظيف ومنع القرارات التعسفية المركزية التي تسببت في موجات نزوح وسخط اجتماعي، ودَفعت البعض إلى البحث عن الهجرة غير الشرعية التي تهدد مستقبل الإنسان في سوريا.
كما أن بعض المتابعين يرون أن استغلال فشل الحكومة في إدارة هذا الملف قد يؤدي إلى تحوله لحراك مسلح لا يجلب سوى المزيد من الدماء، فيما تبقى اللامركزية، بحسبهم، “الضمانة الدستورية لإنهاء التمييز واستعادة الثقة بين المحافظات والحكومة المركزية”.
وتجمع آراء المختصين على أن اللامركزية، وخاصة الإدارية منها، هي ضرورة حتمية لسوريا ما بعد الصراع، لأنها تضمن توزيعاً عادلاً للثروات والسلطات وتمنع تكرار الاستبداد.
ومع ذلك، تبقى المطالبة بـ”دولة مواطنة” أساسية، حيث يجب أن تكون اللامركزية وسيلة لبناء هذه الدولة، لا إطاراً لتقسيمها على أسس الهوية أو الجغرافيا.
أما بالنسبة لتأثيرها على الساحل السوري، فيعتبرها البعض فرصة لإنهاء الاضطهاد الإداري والاجتماعي، شريطة أن تكون جزءاً من مشروع وطني جامع لا يقوّض وحدة سوريا، بل يعيد توزيع الأدوار والفرص بعدالة بين جميع أبنائها.